الأربعاء، 7 مارس 2012


المصفوفة الأفقية-العمودية
بعدما أظهرنا الهيكلية الأفقية للتكوين في تحول الطاقة الواحدة إلى ثلاثية، وأظهرنا الهيكلية العمودية في المستويات الخمس الأساسية. فلننظر الآن إلى الصورة بشكلها المتكامل.
الثلاثة في المستويات الخمسة

في العلوم الحديثة يقرّ العلماء أن الثلاثية هي في كل المستويات، ويعطونها تسميات متعددة، في مستوى الحقل الموحد تكون هذه الثلاثية متفاعلة في داخل ذاتها، في توازن تام وتناظر تام بحيث لا يمكن أن يظهر منها أو عنها أي شيء، لذلك هي المستوى غير الظاهر في الوجود الذي فيه تكون الثلاثية متواجدة وغير فاعلة في أحادية غير ظاهرة.

أما في مستوى الجاذبية، وكما ذكرنا سابقاً، هناك طرف غير ظاهر والطرف الآخر ظاهر. مع تواجد الصفتان معناً، صفة الظهور وعدم الظهور في الوقت ذاته، يصبح من غير الممكن إدراك حقل الجاذبية منعزلاً فيكون إدراكه عندما يتفاعل مع المستويات الظاهرة الأخرى. حقل الجاذبية هو حقل التهيئة لظهور الوجود. تماماً كما كان دور حواء في رواية التكوين، كان دورها التهيئة لظهور الوجود بسببها أخطأت الحية وأدرك آدم فرديته، وأخرجه الله من الفردوس.

وهنا لا بد من أن نكشف أمراً علمياً، ألا وهو أن الطاقة الكونية في الحقل الموحد والجاذبية ينتميان لما يعرف بالمستوى غير الظاهر للوجود، أي يمكننا القول أنه مستوى المطلق.

البداية والنهاية
المستوى الثالث هو مستوى التفاعل القوي، في التفاعل القوي تتواجد الثلاثية في ثلاثة صفات، الفاعل والفعل والمفعول به، هذه الديناميكية الثلاثية لا يمكنها أن تتواجد منفصلة عن بعضها البعض في حقل التوحيد، لأنها في حقل التوحيد المطلق تكون هذه الثلاثية واحدة، أما في الحقل النسبي تظهر هذه الثلاثية متفاعلة بشكل واضح. إن مستوى التفاعل القوي هو الحقل الذي يظهر فيه الكوارك ويتفاعل كي يعطي البروتون والنيوترون لتتشكل نواة الذرة. أنه يخلق الجزيئات وينظم دورانها ومن ثم يفنيها عند انتهاء دورها. وهنا لا بد من القول أن هذه الوظائف الثلاث تعمل باستمرار وبشكل تزامني، أي أن عملية الخلق تستمر وعملية التنظيم تستمر وعملية الفناء تستمر كلها في آن واحد. وستظل مستمرة ما دامت الخليقة موجودة ولا تتوقف إلا عند الفناء التام بعد أن تصل الخليقة إلى مداها الأقصى في التوسع وتعود وتنقبض فيما يسمى في العلم "الثقب الأسود".
يقال عن هذا المستوى من الوجود، البداية والنهاية لكل شيء، عندما يفنى الكون المادي ستزول المادة ومن ثم تزول حقول الطاقة بشكل تتابعي وبسرعة هائلة، بدءاً من الحقل الكهرومغناطيسي ومن ثم حقل التفاعل والضعيف والتفاعل القوي، فيضمحل الكون في الجاذبية الهائلة للثقب الأسود، ومن ثم يهمد حقل الجاذبية ويستمر الكون في حالة عدم الظهور إلى أن يعود ويتفاعل بذاته وينطلق من جديد، وهكذا تستمر دورة الظهور والفناء الكونية إلى ما لا نهاية.
التمييز والخجل.
يبدأ التفاعل الثلاثي في الظهور ويستمر على المستويات التالية في الخليقة، التفاعل الضعيف والكهرومغناطيسي ومستويات المادة. في مستوى التفاعل الضعيف، وبعد ظهور المكوّنات الأولى للكون، تعطي هذه المكوّنات إشعاعات تؤثر على بعضها البعض، هذه الإشعاعات تنطلق من جزيء متكوّن إلى جزيء متكوّن آخر، وهكذا تتغير ملامح الجزئيات عندما تتعرف على بعضها البعض، وتكون الثلاثية في عملية بث الإشعاعات وعملية انتقالها وعملية تلقيها والتقاطها من الجزيء الآخر. تماماً كما هي موصوفة في رواية الخلق؛ بعدما أدرك آدم ذاته، نظر إلى حواء، ونظرته هذه هي عملية البث، وعندما أدركت حواء أنه نظر إليها كانت عملية انتقال الإشعاعات، ومن ثم شعرت بالخجل، والشعور بالخجل هو تلقي الإشعاعات. ومن ثم عادة حواء ونظرت إلى آدم وحدثت الثلاثية مرة أخرى ولكن بشكل عكسي. لكن هناك أيضاً نقطة هامة يجب أن نلحظها في رواية التكوين وهي أن الله سألهما ماذا فعلتما. وهذا للدلالة أن جميع مستويات الوجود لها تفاعلها الذاتي، ولكنها تعمل بدفع من الطاقة الكونية. فكل نقطة من الوجود هي متصلة بما حولها وأيضاً متصلة بمصدرها في الوقت ذاته.
التهيئة لظهور المادة
أما في مستوى الكهرومغناطيسي، الذي فيه تتكون عناصر المادة وتتمازج لتشكل الوجود المادي الملموس، تكون الثلاثية في عملية دمج الجزئيات المختلفة. هذه الجزيئيات التي خلقة متشابهة نتيجة للتفاعل القوي، وتغيرت نكهتها نتيجة للتفاعل الضعيف، ها هي الآن تتمازج مع بعضها على اختلاف نكهاتها لتشكل عناصر مادية ملموسة. في عملية المزج، هناك تواجد العناصر، أي تواجد العناصر المخلوقة الناتج عن عملية الخلق، ومن ثم مزجها مع بعضها البعض، وينتج ذلك عن عملية التنظيم، ويلي ذلك ظهور المزيج، الذي يخفي العناصر المخلوقة ويظهر شيء جديد، وبذلك تكون عملية الفناء قد حدثت بمزج العناصر المخلوقة وتحولها إلى عناصر مادية ملموسة. والآن يأتي دور العناصر المادية لتظهر، وفي عملية ظهورها عليها أولاً أن تنقل مواصفاتها الجديدة إلى مصدرها، الذي هو المصدر الأساسي للكون، الحقل الموحد، حقل الوعي، كي يدفعها إلى الحقل المادي بخمسة تسارعات، وتعرف هذه التسارعات في العلوم الحديثة، بتسارعات الدوران (spinning) وهذه التسارعات هي تسارع -1، و-1/2 و0 و+1/2 و+1
في المقالة المقبلة سنعرض تأثيرات تسارعات الدوران على عناصر المادة.

أدم وحواء في النظريات العلمية
في المقالة السابقة أظهرنا التقارب بين ثلاثة طبقات من مستويات الوجود الخمسة الأساسية، وفي هذه المقالة الرابعة سنتابع، ولكن قبل أن ننتقل إلى شرح العنصرين التاليين، فلنكشف ماذا يرد في العلوم القديمة.
رواية أدم وحواء في العلوم الفيدية
آدم وحواءإن رواية آدم وحواء تجد مثيلاً لها في الحضارات القديمة، في العلوم الفيدية وهي العلوم الهندية القديمة هناك جزء من أجزاء الفيدا يعرف بالسانكهيا، وتشرح السانكهيا بشكل رائع هذه العناصر الخمسة، في الفيدا هناك عنصر بروشا، الذي هو المطلق الشاهد وغير الفاعل، وحسب الفيدا بروشا يمثل العنصر المذكر في الوجود (آدم)، أما العنصر الثاني يسمى براكريتي، براكريتي تمثل العنصر المؤنث (حواء)، وفي رواية الفيدا، بروشا هو المطلق وبراكريتي هي نبضات الذكاء الكوني، عندما تكون براكريتي هامدة، لا يكون الوجود موجوداً، وعندما تتنابض براكريتي، تدفع الوجود للظهور. في الفيدا، بروشا وبراكريتي يتواجدان في حقل المطلق، بروشا هو طاقة المطلق، وبراكريتي هي نبضات المطلق. تماماً كما هو آدم وحواء في الفردوس. العنصر الثالث في الفيدا هو مهات. ومهات هو العقل الكوني، بوجود مهات وجدت طاقة العقل، وفي رواية الفيدا، العقل يخطئ، وهذا الخطأ يدعى "براغيا براد" وترجمتها حرفياً خطيئة العقل، تماماً كما أخطأت الحية التي أطلقت الفكرة الأولى، ويتوافق ذلك مع نظرية انكسار التناظر في العلوم الحديثة. هذا الخطأ هو علة الوجود، وهو مسبب الوجود، ولو لم يكن هذا الخطاء موجوداً لما كان هناك من وجود، ولما كنت أنت هنا لتقرأ هذه المقالة ولما كنت أنا هنا لأكتبها.
البذرة والشجرة
إن طبيعة الوجود مثل طبيعة الشجرة، قبل أن تكون هناك شجرة كان هناك بذرة، تتفاعل البذرة مع التراب وتنبت، وبالتالي تأتي الشجرة، وهكذا هو الوجود، هناك بذرة الوجود، وهناك التراب، التراب هو المطلق، المذكر، والبذرة هي المؤنث وهي التي تتفاعل في التراب، ومنها تأتي النبتة.
عندما يبدأ الكون بالتفتح لا يمكنه أن يتراجع إلا عندما يصل إلى مداه الأقصى. تماماً كما لا يمكن للشجرة أن تتراجع وتعود إلى البذرة، إلا عندما تصبح شجرة مكتمل وتعطي بذرة جديدة، وهكذا الكون الذي ينبثق من حقل المطلق ومن الطاقة الكونية، لا يمكن أن يتراجع إلى حقل المطلق، إلا عندما يصل إلى مداه الأقصى، ومن ثم يولد ما يعرف في العلم؛ الثقب الأسود Black Hole، في هذا الثقب الأسود تتكاثف الطاقة الكونية بعد أن يكون الكون قد وصل إلى مداه الأقصى، ومنه ينبثق كون آخر من جديد.
الخجل وورقة التين
فلنعود إلى المستويات الخمسة، بعد أن أظهرنا المقارنة بين الطاقة الكونية وآدم، والجاذبية وحواء، والتفاعل القوي والحية، فلنتابع لنرى روعة التشابه في العنصرين الآخرين، العنصر الرابع هو التفاعل الضعيف، كما تقول العلوم الحديثة، وكما ذكرنا في المقالة الأولى، إن التفاعل الضعيف هو المسؤول عن نشاطات الإشعاعات، هو ضعيف وليس له تأثيراً كبيراً بل هو تغيير في النكهة كما قلنا. أما في رواية التكوين ماذا حدث بعد أن أكل آدم التفاحة، نظر إلى حواء وأدرك أنه مختلف عنها، أدرك فرديته وفرديتها، وخجلا من بعضهما البعض ووضعا ورق التين ليتسترا. لقد أظهرت الرواية موضوع الخجل فقط لإظهار التغيير في نظرة كلاهما إلى بعضهما البعض وإلى الأمور من حولهما، بعد أن كانا واحداً، بجسم واحد وانتزعت حواء من ضلع آدم ليصبحا اثنين. ولكن قبل أكل التفاحة لم يكونا على دراية بأي فارق بينهما، أما بعد أكل التفاحة، فتغيرت نظرتهما إلى بعضهما البعض، وشعرا بالخجل. لم يتغير أي شيء هنا، فقط الشعور بالخجل، هذا يتطابق مع ما يرد في الأبحاث العلمية بعبارة التغيير في النكهة، هذا هو حقل التفاعل الضعيف كما أراد أن يخبرنا عنه من أدرك واستوحى رواية الخلق في الكتب المقدسة.
من عرق جبينك تأكل قوتك
هذا التقارب الرائع لا بد أن يتابع، العنصر الخامس في الفيزياء، هو الكهرومغناطيسي، المسؤول عن كل ظواهر الكون، هو الحقل الذي يعكس الطبيعة الظاهرة للوجود، هو الذي يضع تركيبات المادة الظاهرة وقوانين تفاعلها، هذا المستوى هو مستوى ظهور قوانين الطبيعة. أما في رواية التكوين، العنصر الخامس هو القوانين التي أملاها الله على آدم وحواء، قد أعلمهما عن طبيعتهما المادية، بالقول من عرق جبينك تأكل خبزك، أو ما شابه ذلك، أو إعلام حواء أنها ستلد بالأوجاع. إن كل ذلك ليس سوى الإفصاح على قوانين الحياة وقوانين الطبيعة وهذه التعليمات معروفة في علم النفس بالغريزة الإنسانية. وهكذا نرى بوضوح التشابه التام بين الحقل الكهرومغناطيسي وإملاءات الله.
ظهور الأنا الفردية والغريزة
أما في علوم الفيدا القديمة، فالعنصر الرابع هو أهمكر أي الأنا، ويعني ذلك الشعور بالأنا. الأنا الفردية هي ليست أنا الآخرين وهذا يتوافق تماماً مع شعور الاختلاف بين آدم وحواء. أي التفاعل الضعيف في الفيزياء الذي هو التغيير في النكهة.
أما العنصر الخامس في الفيدا فهو "مناس" وكلمة مناس تعني الغريزة أي العقل الغريزي. الغريزة هي طبيعة التقدمّ في الحياة، وهي تماماَ تتوافق مع وظيفة الحقل الكهرومغناطيسي وما أملاه الله على آدم وحواء.
في المقالة الأولى تكلمنا عن التفاعل الثلاثي في عملية الظهور في الطاقة الخلاقة والذكاء المنظم والمادة الفانية. وفي المقالات الثانية والثالثة والرابعة، تكلمنا عن المستويات الخمسة الأساسية في الكون. وأظهرنا التشابه الرائع في كل منها مع ما يرد في الحقائق الدينية للديانات المختلفة. في المقالة المقبلة سنتكلم عن الثلاثية في كل من الطبقات الخمسة. 


العلم ومراحل التكوين
في المقالة السابقة تكلمنا عن المستويات الخمسة الأساسية والعميقة للوجود، وهي الطاقة غير الظاهرة أي الحقل الموحد من ثم الجاذبية وبعدها التفاعل القوي والتفاعل الضعيف والكهرومغناطيسية. إضافة لهذه المستويات الخمسة العميقة المكتشفة حديثاً هناك مستويات المادة الأخرى وهي معروفة جداً مثل طاقة الإدراك والتحسس ووظائف العمل وأعضاء العمل وقواعد الحركة وقواعد المبيت والتجمع وغيرها من مستويات نعرفها من خلال العلوم والقوانين والشرائع والتقاليد الشعبية وغيرها، وهنا لا نتكلم عن الإنسان فقط بل على مستوى الوجود ككل، بما في ذلك الإنسان والحيوان والطيور الأسماك والحشرات والنبات والجماد، وكل ما يدور في الحقل المادي، الحقل النسبي.
الطبقات الخمسةأما هذه الطبقات الخمسة في نظريات فيزياء الكم الحديثة، والتي لا تزال موضوع جدل بين التيارات العلمية المختلة، فهي معروفة جداً منذ القدم وتحديداً في الكتب الدينية والفلسفات والعلوم القديمة.
هذه الطبقات الخمسة تظهر مراحل التكوين كما تقرها الاكتشافات العلمية، هي واردة في الكتب الدينية؛ في المسيحية والإسلام وأيضاً في الديانات القديمة وفي الفلسفات والقصص الشعبية. قبل أن ندخل في المقارنة علينا أن نعرف أن المفاهيم البشرية تختلف مع اختلاف الزمان والمكان. في العصور القديمة لم يكن هناك المقاربات العلمية الموضوعية، بل كانت الحياة تعتمد على تتطور الوعي والإدراك، فكانت غالبية الناس يتعاملون ويتفاهمون بالأمثال والروايات التشبيهية، ولو كان من سيتكلم معهم بلغة العلم لما كان يجد من يفهمه. ولذلك جاء كلام العلماء عن الحقيقية الكونية، في تلك الأزمنة، بالأمثلة ويتطلب ذلك سرد الروايات والأساطير التي تكون في بعض الأحيان غير واقعية وغير حقيقية، أقله نسبة لعصرنا هذا. في دراسات لطريقة التفكير في الحضارات القديمة التي لا تعتمد على المقاربات الموضوعية، كان الهدف الحقيقي هو جعل الفرد يصل إلى المغذى مما يقال له، كي يستنتج ماذا عليه أن يفعل، هذا ما نسميه المقاربة الذاتية للمعرفة، وفي هذه الطريقة تكون المعلومات التي تقال أقل أهمية من المغذى الذي ينتج عنها، المهم أن يستطيع القائل أن يوصل السامع إلى المغذى المطلوب من كلامه، كي يستطيع السامع أن يصل إلى الاستنتاج الصحيح.
في رواية الخلق ماذا تقول النبوءات والروايات الدينية. في سفر التكوين في التوراة وفي سورة الخلق في القرآن الكريم، كان آدم في فردوس الله، وبينما كان نائماً خلق الله له أنثت، من ضلعه. لماذا ورد في الرواية أن حواء هي من ضلع آدم، لماذا هي من آدم، وما هو المغذى من هذه الرواية في حين نحن لا نرى ولا نسمع عن أي رواية تقول أن هناك امرأة خلقت من ضلع رجل. هذه العلاقة بين آدم وحواء وهما في الفردوس هي مهمة جداً. فلنعيد الرواية، نفخ الله في التراب وخلق الله آدم، آدم هو التراب، قبل أن ينفخ الله في التراب كان التراب تراباً أي شيء ميت جامد لا حياة فيه، أما عندما نفخ الله في التراب أصبح التراب إنساناً، إنه آدم، إذا اعتبرنا أن الله هو طاقة الوعي، نعيد العبارة بالقول عندما كان التراب هامداً كان تراباً، وعندما تغلغل الوعي في التراب أصبح التراب واعياً، أصبح إنساناً. ومن ثم وعندما كان هذا الإنسان وحيداً غير متفاعل، وفي حالة الهمود، انبثقت منه حواء، تقول الرواية أنه بينما كان آدم نائماً أخذ الله ضلعاً من ضلوعه وأوجد منه حواء، وهنا نرى بهذا القول أن وجود آدم هو الركيزة لوجود حواء. وهنا علينا أن ننتبه لهذا القانون في الطبيعة أن التالي يرتكز دوماً على السابق. وفي تلك المرحلة كانا لا يزالان في الفردوس. فلنشرح هذه العناصر الثلاث أولاً، الفردوس هو الحقل غير الظاهر، إنه المطلق إنه الحقل الموحد في نظرية الفيزياء.
أما آدم فهو انعكاس للطاقة الكونية، بل هو الطاقة الكونية في الحقل الموحد، أنه يمثل حالة الديمومة، ديمومة الطاقة، وهو مسبب للتفاعل ولكنه لا يتفاعل، أما حواء التي أتت منه والتي هي جزء منه، هي حقل الجاذبية في الاكتشافات العلمية، لا يمكن للجاذبية أن توجد لولا وجود طاقة الحقل الموحد، وحقل الجاذبية هذا يبدأ من الحقل الموحد، تماماً كما أتت حواء من ضلع آدم، ومن ثم على هذا المستوى تتهيأ عناصر المسرحية الكونية. بوجود حقل الجاذبية يوجد الزمان والمكان وتبدأ الرواية الكونية.
وتتابع الرواية بأن حواء أغرت آدم كي يأكل من شجرة المعرفة بالرغم من أن الله كان قد أوصاهما أن لا يأكلا من هذه الشجرة. ولكن بهذا العمل هناك عنصر آخر يدخل في الرواية وهي الحية، الحية هي العنصر الدافع، هذا الاندفاع قد أتى نتيجة لاعتقاد الحية أنه عندما يأكل آدم من شجرة المعرفة سوف يصبح عليماً بكل شيء ويصبح بمقام الله. ولكن هذا الاعتقاد لم يكن صحيحاً. لقد أخطأت الحية عندما اعتقدت ذلك، إن تفاعل الحيّة كان قوياً جداً بحيث دفع حواء لإغراء آدم كي يأكل التفاحة، بالرغم من أن الله قد أوصاهما بعدم القيام بذلك. الحيّة هي التي فكّرت الفكرة الأولى منذ البدء، وحواء تأثرت بالفكرة وتفاعل مع آدم. إن آدم هنا يظهر كالأرضية التي تتنابض عليها حواء. وهنا نرى بوضوح التفاعل القوي للحية في رواية الخلق الواردة في الديانات الحديثة. فبالرغم من وصية الله لعدم الأكل من الشجرة المحرمة، كانت الحية قوية جداً لتجعلهما يعصيان وصية الله. هذه التفاعل القوي هو ليس سوى التعبير عن حقل التفاعل القوي كما تشرحها علوم الفيزياء. وخطأ الحية في اعتقادها أن آدم سيصبح كلي المعرفة في مقام الله، يظهر جلياً في علوم الفيزياء بما يعرف في انكسار التناظر، break in symmetry، بناء لنظريات الفيزياء إن انكسار التناظر للطاقة الكونية جعل هذه الطاقة تدور خارج إطار محورها وبالتالي تتوسع بشكل حلزوني كما نرى صور المجرات. لو لم يكن هناك انكسار لهذا التناظر، كما تقول علوم الفيزياء، لبقية الطاقة تدور على محورها، ولما كان الوجود قد ظهر. وهكذا تماماً لو لم تفكر الحية وتخطئ، لما كان آدم أكل التفاحة ولما كان نزل من الفردوس، ولما كان وُجد هذا الكون كله.
وهكذا نكون قد شرحنا في هذه المقالة عن ثلاثة عناصر من المستويات الخمسة، وسنتابع في المقالة التالية.

التقارب والتشابه بين العلم والدين
الثلاثية في العلم
في الاكتشافات العلمية توصل العلم إلى كشف المصدر الواحد للوجود، وقد أطلق عليه اسم الحقل الموحد، ومع هذا الاكتشاف، وضعت النظريات للتسلسل المتتابع لانكشاف الكون، تقر النظريات العلمية أن الطاقة الكونية هي طاقة هائلة غير الثلاثيةظاهرة، وعندما تكون هذه الطاقة غير ظاهرة، فيمكنها أن تظهر بأي شكل كان، من هنا أتت "نظرية كل شي" Theory of everything وهذه النظرية هي مرادفة لنظرية الحقل الموحد، الذي هو حقل كل الإمكانيات. هذه الطاقة الكونية غير الظاهرة هي مصدر لكل الظواهر، فهي مصدر الخلق والذكاء والمادة، Creativity, intelligence, matter الطاقة تؤدي إلى الخلق، والذكاء ينظم عملية الخلق والمادة هي المنتج لهذه العملية. وهكذا نرى كيف أن الطاقة الكونية الهامدة قد تفاعلت، وبتفاعلها تظهر بثلاثة أوجه، وهي الخلق والنظام والمادة الفانية. إن هذه الثلاثية الكونية المكتشفة في العلوم الحديثة هي موجودة في الديانات أجمع.
الثلاثية في الدين
في الديانة المسيحية هناك ما يعرف بالثالوث الأقدس، وهذه الثالوث يمثل الله الواحد، وهذا الثالوث يتكون من الأب الخالق، والابن المعلم الذي يرشد البشرية لإتباع النظام الإلهي، والروح القدس هو الرب المحي، الذي يعطي الحياة للإنسان المادي المتكون من التراب، ويلهمه للسير في الطريق المستقيم. وفي نهاية المطاف يرافق الروح إلى جنة الله.

في الإسلام نحن نقرأ بوضوح أن الله هو الخالق، فهو خالق كل شيء، وعلى كل شيء وكيل، والوكيل هو الذي ينظم حياة كل ما خلق، والله هو الذي يميت الكائنات لتعود الروح إليه. وفي تفسيرات صوفية، يعطون الله ثلاثة صفات هي الذات والفعل والصفة. الذات للخلق والفعل لوضع النظام والصفة هي انعكاس صورة الله في خليقته، فالخليقة الظاهرة هي المادة التي تعكس صورة الله.

في الديانات الشرقية القديمة مثل الهندوسية والبوذية وغيرها، فيها جميعها نظرية الثالوث، يقولون أن برهمان له ثلاثة صفات وهي: برهما وهو الخالق، وفشنو وهو المحافظ على الخليقة فينظمها للحفاظ عليها من الهلاك، وشيفا وهو المفني، الذي يفني المادة التالفة ويعيد الروح إلى برهمان المطلق.

أما إذا رجعنا إلى ديانات الحضارات القديمة مثل حضارة الفراعنة وحضارة المايا نجد بوضوح نظرية الصفات الثلاثة للطاقة الإلهية الواحدة. هذا ما يؤكد أن الحقيقة هي واحدة، ولا يمكن أن تكون سوى كذلك، عندما نعلم بشكل علمي يعتمد على صيغ حسابية معقدة وصارمة، أن مصدر الكون هو واحد، نكون قد وصلنا إلى الإثبات الملموس لحقيقة الله. ومع هذه المقارنة يظهر جلياً التوافق بين العلم والدين، وليس ذلك فحسب، بل يظهر أيضاً التقارب الكبير بين الديانات المختلفة القديمة والحديثة.
تكشّف الوجود
إضافة لإظهار الوظائف الثلاثة للحقل الموحد في الخلق والذكاء والمادة وتطابق هذه الوظائف مع الوظائف الإلهية كما هي واردة في جميع الديانات. هناك اكتشاف آخر يظهر التكشف المتتالي لعملية الظهور. في علوم فيزياء الكم، أظهرت الاكتشافات أن حقل الجاذبية هو أول ما ظهر في الكون، قبل ظهور حقل الجاذبية كانت الطاقة الكونية في حالة الهمود، وكأنها نائمة، ومن ثم ونتيجة لتفاعلها ظهر حقل الجاذبية، ونتيجة لقوة التجاذب، وتفاعله بالمطلق، كانت النبضة الأولى، فظهر التوتر وبدأ يتسارع في التوتر لدرجة بدأت تظهر البروتونات، يدعى هذه التوتر السريع "الكوارك"، الذي يظهر من الحقل الموحد غير الظاهر.

تجتمع الكواركات معا لتشكل جسيمات مركبة تسمى هادرونات، الأكثر استقراراً التي هي البروتونات والنيوترونات، وهي مكونات نواة الذرة. لا يمكن أن تظهر الكواركات بشكل مفرد حر فهي دائما محتجزة ضمن هادرونات ثنائية (ميزونات) أو ثلاثية (باريونات) مثل البروتونات والنيوترونات، وتسمى هذه الظاهرة بالحبس اللوني (بالإنجليزية Color confinement‏)، لهذا السبب إن معظم المعلومات عن الكواركات تم استخلاصها من ملاحظات الهادرونات نفسها. يتفاعل الكوارك ويظهر حقل التفاعل القوي عندما تتكون نواة الذرة، وبالتالي بدأ تواجد الذرة التي هي أساس المادة. وعلى هذا المستوى من التفاعل من الضروري جداً أن نذكر أن انكسار التناظر يبدأ هنا. الحقل الموحد هو حقل التناظر التام، ولكن في عملية ظهور الكون، يختل هذا التناظر مسبباً ومهيئاً لظهور المادة.

مع بدء تكون الذرة نتيجة تتفاعل الالكترونات والبروتونات ظهرت الإشعاعات في كل اتجاه، ومع هذه الإشعاعات التي ليس لها تأثيرات قوية، فهي تؤدي إلى ما يسمى في الفيزياء "تغيير النكهة" أطلق على هذا الحقل اسم حقل التفاعل الضعيف.

ومع التفاعل الضعيف والذي ينتج عن إشعاعات المكونات الأولى للوجود على بعضها البعض، ومع القوة التنظيمية الدافعة للتطور تبدأ عناصر المواد في التفاعل، ويعرف هذا التفاعل بالحقل الكهرومغناطيسي وهو المسؤول عن كل الظواهر التي نصادفها في الحياة اليومية، باستثناء الجاذبية. تأخذ المادة العادية شكلها نتيجة لقوة الجزيئات بين الجزيئات الفردية في المادة. القوة الكهرومغناطيسية هي أيضا القوة التي تجمع الالكترونات والبروتونات معا داخل الذرات، التي تشكل أساس بناء الجزيئات. هذا يسبب التفاعل الكيميائي الذي ينشأ عن التفاعلات بين إلكترونات التي تدور في الذرات. وبعد قوة الكهرومغناطيسية تأتي المادة الظاهرة على مختلف الأشكال والألوان. وفي الخلاصة يرتكز الكون على أساسات خمسة:
• الطاقة الكونية غير الظاهرة – الحقل الموحد
• طاقة الجاذبية وهي طرفها غير ظاهر وطرفها الآخر يظهر في الوجود
• التفاعل القوي الذي يسبب أول ظهور للمادة
• التفاعل الضعيف الذي يميّز الموجودات عن بعضها البعض
• التفاعل الكهرومغناطيسي الذي يدفع الموجودات إلى البقاء
في المقالة المقبلة سنتحدث عن الترابط الرائع لهذه المستويات مع المفاهيم الدينية. 



انطلاق العصر العلمي
نحن نعيش في عصر العلم، هذا العصر الذي انطلق منذ أكثر من خمسمائة سنة، نتيجة للخلافات التي حدث منذ ذلك الوقت في الإدارة الكنسية الأمر الذي أدى إلى انشقاق في الكنيسة الكاثوليكية وثورة مارتن لوثر وغيرها.
ونتيجة لهذا الحدث أدى الأمر بعامة الشعب إلى الشعور بالشك في الموضوع الديني برمته، فراح القادة المدنيين الذي كان يعيشون حياة فيها الكثير من التسليم بمشيئة الله، يفتشون ويبحثون عن الحقيقة الإلهية خارج الإطار الديني. ومن هنا نشأ مع يعرف بالبحث الموضوعي أو المقاربة الموضوعية لاكتساب المعرفة، وهكذا صنفت طريقة اكتساب المعرفة الدينية بالمقاربة الذاتية لاكتساب المعرفة. أي اكتساب المعرفة بطريقة الوحي والإلهام والتنبؤ، وغيرها من الطرق الذاتية التي تعتمد على تطور الذات الفردي ويدرك الإنسان الحقيقة من داخل ذاته.
المقاربة الموضوعية العلمية
وبالعودة إلى المقاربة الموضعية لاكتساب المعرفة، فهي الأسلوب الذي اعتمده العلم الحديث منذ بداياته، أي أن يأخذ الباحث موضوعاً معيناً ويبدأ من المستوى السطحي الملموس ويتعمق في تركيبته ووظائفه كي يصل إلى مصدره وحقيقته، ومن هنا تشعبت العلوم وتكاثرت، وبالرغم من أنها هذه العلوم كانت موجودة في الأساس إلا أنه تم استحداثها بطرق وأساليب جديدة، ومثال على ذلك علوم الطب والهندسة المعمارية والرياضيات وغيرها من العلوم. وفي كل هذا كانت الغاية للوصول إلى اكتشاف الحقيقة الإلهية.
ونتيجة لهذا الأسلوب في التعمق في المادة توصل العلم إلى اكتشافات لم تكن معروفة في الحقبة التاريخية المدونة، أي منذ حوالي خمسة آلاف سنة من عمر الكرة الأرضية التي يعود تاريخها إلى ملايين السنين.
ومع هذه الاكتشافات الحديثة التي لم يستطع رجال الدين في ذلك الزمان في الغرب، أن يجدوا لها تفسيرات دينية واضحة، دبّ الخلاف بين العلم والدين، وما كان العالم الإيطالي غاليلو الشهيد الأول لاكتشافه أن الأرض هي كروية الشكل وليست مسطحة كما كان المعتقد الديني، فرجم حتى الموت.
خلاف العلم والدين
غاليلوبالرغم من أن العديد من العلوم كانت مزدهرة في الحضارات القديمة مثل الحضارة الفرعونية واليونانية والرومانية وحضارات ما بين النهرين والفرس والحضارة الفيدية القديمة في الهند وغيرها، إلا أن وهج هذه العلوم القديمة قد اضمحل في ضوء الديانات حديثة التي تعرف بالديانات السماوية.
ولكن هذا الخلاف بين العلم والدين لم يردع رجال البحث العلمي، لا بل زادهم اندفاعاً في بحوثهم العلمية. كانت الاكتشافات العلمية جذابة ومغرية، وأعطت العلماء الشعور بأن هناك المزيد مما يمكن أن يكتشفوه، ويستطيعون به الحصول على طاقة اكبر وسيطرة أكثر في المجتمع، وبدأ العصر العلمي يتعمق تدريجياً بمستويات الوجود المادي، فكان المستوى الميكانيكي الذي بدأ بتسهيل حياة الإنسان. ومن ثم تطورت الاكتشافات وتعمقت إلى الوصول إلى المستوى الكهربائي، ومنه الميكانيكية الكهربائية، وأيضاً المستوى الكيميائي، وبذلك بدأ ما يعرف بالثورة الصناعية، فالسيارة والطائرة مثلاً هي نتاج التطور الميكانيكي الكهربائي والكيميائي. ومن ثم المستوى الالكتروني، الذي أعطى قدرة أكبر في استخدام قوانين فعالة في الطبيعة وعلى زيادة الرفاهية في المجتمع، هذا ما جعل الديانات تتقوقع، وينحصر دورها في أمور الإيمان والتطور الروحي. وكانت النتيجة بفصل الدين عن الدولة، وكانت النتيجة النظام السائد في الغرب، أي دول علمانية حرية المعتقد عن الشعب.
التوجه إلى المبادئ العلمية
هذا النظام الجديد، جعل الناس يقفون محتارين بين اللحاق بالركب العلمي السريع، أو إتباع المبادئ الدينية. ولكن مع تكاثر الاكتشافات العلمية السريعة، اندفع غالبية الناس بشكل تلقائي إلى اللحاق بالتطور العلمي. الأمر الذي تطلب تحديث وتغيير جزري في أنظمة التربية والتعليم، فكانت الأنظمة والمناهج التعليمية الحديثة، التي لم تترك سوى حصة واحدة أسبوعياً للتعليم الديني. مع هذا التغيير الجزري في الغرب، ومع كل هذه الاكتشافات الحديثة وكل هذا التطور المادي وعلى جميع الأصعدة، ومع ما ترافق معه من انفتاح وتوسع واستعمار واكتشاف قارة أميركا، نقل الغرب إلى الشعوب في الشرق والجنوب من الكرة الأرضية، الأساليب العلمية والاكتشافات الحديثة. أما الشعوب الشرق التي لم تعاني من مشاكل مع الهيئات الدينية مثلما حدث في أوروبا، فوجدت أنها مرغمة على إتباع التطور الغربي خوفها من وقوعها في التخلف والتقوقع. وهكذا انتقل الخلاف بين الدين والعلم من الغرب إلى الشرق وعم في جميع أنحاء العالم وأصبحت التبعية الدينية الصرفة عند القلة من الناس وأصبحت شيء من التقاليد والتراث.
أما الاكتشافات العلمية فلم تتوقف عند حدود المستوى الميكانيكي والكهربائي والكيمائي والالكتروني، بل تابعة إلى المستوى الذري والنووي، وأيضاً إلى مستوى حقول الطاقة ومنها إلى الحقل الموحد، ألذي يشير إليه العلم أنه حقول واحد لا محدود وغير ظاهر، ومن انبثق الكون أجمع.
العودة إلى التوافق بين العلم والدين
هناك تيار علمية متعددة منها من يربط هذه الاكتشافات الحديثة مع النصوص والكتب للحضارات القديمة بما في ذلك الكتب الدينية، ويصرح بعد العلماء الذي اعتمدوا أسلوب المقارنة بين الاكتشافات العلمية والنصوص القديمة، أن هذه النصوص قد ساعدتهم على اكتشاف المزيد من النظريات العلمية. ومثال على ذلك رواية التكوين وآدم وحواء، تحول الأحادية الساكنة إلى تعددية ثلاثية ديناميكية، تجلي أو تجسد الروح الإلهية في الإنسان "آفتار"، البداية والنهاية، الألف والياء، إضافة إلى عبارات كثيرة لقوانين الطبيعة مثل الإنسان هو على صورة الله، الإنسان هو كوني، ملكوت السموات، وأيضاً تأثيرات الصلوات والدعاء والذكر، وغير ذلك من الترابط بين مفاهيم العلم والمبادئ الدينية.
في المقالة المقبلة سنتوسع في نقاط الترابط بين العلم والدين.
مقدمة كاتب المقالات:

المقدمة
لقد تخصصت في العلوم الإدارية والمالية لمدة عشرين سنة، وبعد ذلك شأت بي الأقدار أن أتخصص في علوم مهاريشي الفيدية، وصلت إلى مستويات مرموقة في هذا المجال الذي يتضمن أبحاث ودراسات معمقة في مجالات تطوّر الوعي الفردي والوعي الجماعي ومجالات التطور الروحي إضافة إلى الإطلاع على أهم وأحدث الاكتشافات العلمية بما في ذلك علوم فيزياء الكم وعلوم الفسيولوجي البشرية، وعملت ولا أزال أستاذاً لعدد من برامج وعلوم مهاريشي بما في ذلك تقنية التأمل التجاوزي وعلم الذكاء الخلاق.
التأمل التجاوزيخلال أكثر من عشرين سنة في تعليم برامج مهاريشي، التقيت بآلاف الأشخاص في لبنان والدول المجاورة، الذين تعلموا تقنية التأمل التجاوزي وتابعوا في علوم مهاريشي المختلفة. وكان هؤلاء من مختلف المستويات العلمية ومختلف الطبقات الاجتماعية ومختلف المذاهب والطوائف الدينية، بما في ذلك منهم من يتبع فلسفة الإلحاد، وبالرغم من الدوافع المختلفة التي أتت بهم لتعلم تقنية التأمل التجاوزي، إلا أن غالبيتهم الساحقة، يمكنني القول أكثر من 99%، كان يهمهم معرفة ما إذا كان ما يقومون به لا يختلف مع معتقداتهم الدينية. حتى أن أحد الأشخاص الذين كانوايتبعون فلسفة الإلحاد، كان يريد أن يعرف ما إذا كان تطور وعيه سيعطيه المقدرة لمعرفة ما إذا كان الله موجوداً.
وجدت أن اهتمام الناس أجمع ومحور حياتهم يرتكز على الوجود الإلهي، لكن الناس يعانون من عدم مقدرتهم على تحقيق ما يرد في جميع الكتب السماوية في أن يعيش الإنسان بالسعادة والبحبوحة والعدل والرخاء وغير ذلك من النعم الإلهية.
إن علوم مهاريشي الفيدية تعطي تطور على كامل مستويات الإنسان؛ على المستوى البدني (الجسم) والمستوى العقلي والمستوى الروحي. في التعمق في علوم مهاريشي النظرية مثل علم الذكاء الخلاق والمحاضرات المتقدمة التي تلقيناها من مهاريشي، وفي المقارنة مع العلوم الدينية، لم أجد إضافات كثيرة لمعرفة نظرية، لما يرد في التعاليم الدينية من مختلف الطوائف والمذاهب. إن المبدأ الأول في علوم مهاريشي من أجل التطور الروحي هو: "يوغا ستات كورو كرماني" أي معناه "تثبت بحالة التوحيد وقم بالعمل". وهذه القول نجدة في كل الديانات دون استثناء، في الإسلام يقال "أعقل وتوكل"  وفي المسحية "اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وبِرَّهُ، وذلِكَ كُلُّهُ يُزَادُ لَكُم" وكذلك في كل الديانات الأخرى، أما عن طريقة الوصول إلى ذلك، كان يقول لنا مهاريشي اذهبوا إلى الداخل إلى الوعي الصافي الذي هو حقل غير محدود من الطاقة، وعندما يثبت العقل الواعي في هذا المستوى تكون قد وصلتم إلى حالة التوحيد بالطاقة الكونية. إما في الديانات فيتحدثون أيضاً عن طرق الوصول الطاقة غير المحدودة. في القرآن الكريم: "وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون" وفي الإنجيل المقدس "لا تبحثوا عن ملكوت الرب هاهنا أو هناك، إن ملكوت الرب فيكم". وهكذا نرى أن الهدف واضح جداً وهو التوحيد أو العقل أو ملكوت الرب. والموقع هو واضح في أنفسنا وفي داخلنا، أما الطريقة في من خلال التجاوز أو التسامي كما يقول مهاريشي، وفي الإسلام؛ علينا أن نجدد إيماننا ونقوي صلتنا بربنا كي نشعر بالسكينة،  وفي المسيحية يقال "أدخل إلى مخدعك وأغلق بابك وصلي في الخفاء" وفي التوراة يقال "استكينوا واعلموا أني أنا الله".
هكذا نرى أن طريقة الوصول إلى الكمال هي واضحة جداً، ولكن ما يفتقد إليه الناس هو التقنية الصحيحة لممارسة ما توصي به دياناتهم كي يصلوا إلى حالة الفرح الدائم. وهذا النقص هو ليس في ديانة واحدة أو أثنين أو أكثر، إنه في كل الديانات أيضاً، ويعود السبب في ذلك إلى عاملالزمن. الزمن هو الذي يضيّع المعالم، ومع الزمن تتناقل الأجيال الحقيقة الدينية ومن جيل إلى جيل تضيع المعرفة. وهكذا ضاعت التقنياتالدينية للوصول إلى هدف الحياة وراح الإنسان يتخبط بالمعاناة والعذاب والقهر.
مهاريشي ماهش يوغيأما الآن وفي هذا العصر العلمي، أتى عالم كبير من الهند يدعى مهاريشي ماهش يوغي، حائز على ماجستير في الرياضيات والفيزياء، كما درس لمدة ثلاثة عشر سنة العلوم الفيدية القديمة، ودرس هذه العلوم من مرجعية كبيرة مؤتمنة على الحفاظ على نقاء هذه العلوم. من ثم قدم مهاريشي تقنية التأمل التجاوزي إلى التيارات العلمية في الغرب كي يقوموا بشتى أنواع الدراسات والأبحاث حول منفعتها، ونتيجة لهذه الأبحاث العلمية أصبحت هذه التقنية البسيطة معتمدة كجزء مكمل لكثير من المناهج العلمي مثل التربية والتعليم والطب والصحة والعلوم والفسيولوجيا البشرية والفيزياء الحديثة وغيرها من العلوم.  
أمام هذا الواقع أردت أن أضع مقارنة بين العلم والدين، أردت أن أظهر بشكل موجز ما توصل إليه العلم من اكتشافات حول وجود الكون وطبيعته وحول قوانين الطبيعة التي ترافق انبثاق الكون وتمدده وفنائه، وهذه القوانين الطبيعية التي تعمل على مستوى الكون هي بذاتها تعمل على مستوى الإنسان، من ولادته وحياته إلى وفاته.
وهنا لا بد أن نشكر جريدة صدى البلد التي نشرت هذه المقالات على مدى اثني عشر أسبوعاً في صفحة كاملة في كل أسبوع.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير
  • سليم حداد
من بين الكلمات التى يقرؤها الانسان كلمات تبدو كالجواهر المرصعة كالكنوز المختفية فى زحام المعلومات والمقالات عندما قرأت هذه المجموعة من المقالات شعرت بأنها صفعة قوية على وجه الالحاد الذى لا يكاد يؤمن بشئ سوى العلم. وها هو العلم يلتقى بالدين ليؤكد حقيقة وجود الله كحقيقة علمية لا تقبل الشك وربما تبدو هذه الحقيقة قد جاءت أخيرا لتنهى صراع الأديان والحضارات ولتوحد العالم على حقيقة الأديان والمعتقدات التى هى فى جوهرها وأهدافها شئ واحد لا اختلاف فيه كما أن هذه الحقيقة ستوجه طاقة الانسان الى معرفة جوهره والوصول الى الروح التى تسكنه وربما يكون هذا هو هدف رحلة الحياة بأكملها أن تمتلئ النفس بالروح وتصل الى مرحلة الصفاء وهى بهذا تحرر الانسان من عبوديته للعديد من الأشياء كالغريزة والمال ومختلف الأهواء والفلسفات والأفكار التى قسمت العالم وتسببت فى العديد من الحروب العرقية والطائفية والدينية تبدأ هذه المقالات بمقدمتين ثم سبع مقالات تنتهى بالمقال الثامن الذى يؤكد حقيقة وجود الله كحقيقة علمية مكتشفة حديثا وهذه هى المقدمة الأولى لهذه المقالات بعنوان ديانة العلم: يصبو الوعي البشري دائما إلى الكمال لأن الإنسان مخلوق واع ويدرك ما هو الصواب وما هو الخطأ، ويعرف بشكل غريزي أن قدراته هي أكثر بكثير مما يستخدم في حياته اليومية، لذلك نرى الإنسان وفي كل العصور، وحتى منذ ما قبل التاريخ البشري المعروف، يبحث باستمرار عن ما يمكنه أن يصل به إلى الكمال. وضع الإنسان معايير للكمال، فشخّصها بصفات فائقة، سماها الصفات الإلهية، وعرف أن هذه الصفات هي تلك التي يستطيع جهازه العصبي أن يصل إليها، لذلك نرى في كل الحضارات وكل الديانات ما يشير إلى قدرة الإنسان ورغبته في الوصول إلى الكمال. أما في عصرنا هذا، العصر العلمي الذي لا يقبل بأي شيء إلا إذا تم إثباته علمياً، فنجد الإنسان يدور ويدور ومن ثم يعود ويكتشف إمكانياته وقدراته غير المحدودة التي هي بذاتها واردة في الحضارات القديمة والديانات عبر كل العصور. هذه المجموعة من المقالات هي هدية لكلّ من يريد أن يتمتع بجماليات الوجود. وكما يقول المثل الشعبي: "كل الدروب تؤدي إلى الطاحونة" كذلك نستطيع القول أن كل الديانات تؤدي إلى الله، ونضيف أن العلم الحديث يكتشف الآن تلك الحقيقة، فهل سيصبح العلم ديناً نقتدي به للوصول إلى الله، ونضيف له رمزاً آخر إلى الرموز الدينية.