الأربعاء، 7 مارس 2012



انطلاق العصر العلمي
نحن نعيش في عصر العلم، هذا العصر الذي انطلق منذ أكثر من خمسمائة سنة، نتيجة للخلافات التي حدث منذ ذلك الوقت في الإدارة الكنسية الأمر الذي أدى إلى انشقاق في الكنيسة الكاثوليكية وثورة مارتن لوثر وغيرها.
ونتيجة لهذا الحدث أدى الأمر بعامة الشعب إلى الشعور بالشك في الموضوع الديني برمته، فراح القادة المدنيين الذي كان يعيشون حياة فيها الكثير من التسليم بمشيئة الله، يفتشون ويبحثون عن الحقيقة الإلهية خارج الإطار الديني. ومن هنا نشأ مع يعرف بالبحث الموضوعي أو المقاربة الموضوعية لاكتساب المعرفة، وهكذا صنفت طريقة اكتساب المعرفة الدينية بالمقاربة الذاتية لاكتساب المعرفة. أي اكتساب المعرفة بطريقة الوحي والإلهام والتنبؤ، وغيرها من الطرق الذاتية التي تعتمد على تطور الذات الفردي ويدرك الإنسان الحقيقة من داخل ذاته.
المقاربة الموضوعية العلمية
وبالعودة إلى المقاربة الموضعية لاكتساب المعرفة، فهي الأسلوب الذي اعتمده العلم الحديث منذ بداياته، أي أن يأخذ الباحث موضوعاً معيناً ويبدأ من المستوى السطحي الملموس ويتعمق في تركيبته ووظائفه كي يصل إلى مصدره وحقيقته، ومن هنا تشعبت العلوم وتكاثرت، وبالرغم من أنها هذه العلوم كانت موجودة في الأساس إلا أنه تم استحداثها بطرق وأساليب جديدة، ومثال على ذلك علوم الطب والهندسة المعمارية والرياضيات وغيرها من العلوم. وفي كل هذا كانت الغاية للوصول إلى اكتشاف الحقيقة الإلهية.
ونتيجة لهذا الأسلوب في التعمق في المادة توصل العلم إلى اكتشافات لم تكن معروفة في الحقبة التاريخية المدونة، أي منذ حوالي خمسة آلاف سنة من عمر الكرة الأرضية التي يعود تاريخها إلى ملايين السنين.
ومع هذه الاكتشافات الحديثة التي لم يستطع رجال الدين في ذلك الزمان في الغرب، أن يجدوا لها تفسيرات دينية واضحة، دبّ الخلاف بين العلم والدين، وما كان العالم الإيطالي غاليلو الشهيد الأول لاكتشافه أن الأرض هي كروية الشكل وليست مسطحة كما كان المعتقد الديني، فرجم حتى الموت.
خلاف العلم والدين
غاليلوبالرغم من أن العديد من العلوم كانت مزدهرة في الحضارات القديمة مثل الحضارة الفرعونية واليونانية والرومانية وحضارات ما بين النهرين والفرس والحضارة الفيدية القديمة في الهند وغيرها، إلا أن وهج هذه العلوم القديمة قد اضمحل في ضوء الديانات حديثة التي تعرف بالديانات السماوية.
ولكن هذا الخلاف بين العلم والدين لم يردع رجال البحث العلمي، لا بل زادهم اندفاعاً في بحوثهم العلمية. كانت الاكتشافات العلمية جذابة ومغرية، وأعطت العلماء الشعور بأن هناك المزيد مما يمكن أن يكتشفوه، ويستطيعون به الحصول على طاقة اكبر وسيطرة أكثر في المجتمع، وبدأ العصر العلمي يتعمق تدريجياً بمستويات الوجود المادي، فكان المستوى الميكانيكي الذي بدأ بتسهيل حياة الإنسان. ومن ثم تطورت الاكتشافات وتعمقت إلى الوصول إلى المستوى الكهربائي، ومنه الميكانيكية الكهربائية، وأيضاً المستوى الكيميائي، وبذلك بدأ ما يعرف بالثورة الصناعية، فالسيارة والطائرة مثلاً هي نتاج التطور الميكانيكي الكهربائي والكيميائي. ومن ثم المستوى الالكتروني، الذي أعطى قدرة أكبر في استخدام قوانين فعالة في الطبيعة وعلى زيادة الرفاهية في المجتمع، هذا ما جعل الديانات تتقوقع، وينحصر دورها في أمور الإيمان والتطور الروحي. وكانت النتيجة بفصل الدين عن الدولة، وكانت النتيجة النظام السائد في الغرب، أي دول علمانية حرية المعتقد عن الشعب.
التوجه إلى المبادئ العلمية
هذا النظام الجديد، جعل الناس يقفون محتارين بين اللحاق بالركب العلمي السريع، أو إتباع المبادئ الدينية. ولكن مع تكاثر الاكتشافات العلمية السريعة، اندفع غالبية الناس بشكل تلقائي إلى اللحاق بالتطور العلمي. الأمر الذي تطلب تحديث وتغيير جزري في أنظمة التربية والتعليم، فكانت الأنظمة والمناهج التعليمية الحديثة، التي لم تترك سوى حصة واحدة أسبوعياً للتعليم الديني. مع هذا التغيير الجزري في الغرب، ومع كل هذه الاكتشافات الحديثة وكل هذا التطور المادي وعلى جميع الأصعدة، ومع ما ترافق معه من انفتاح وتوسع واستعمار واكتشاف قارة أميركا، نقل الغرب إلى الشعوب في الشرق والجنوب من الكرة الأرضية، الأساليب العلمية والاكتشافات الحديثة. أما الشعوب الشرق التي لم تعاني من مشاكل مع الهيئات الدينية مثلما حدث في أوروبا، فوجدت أنها مرغمة على إتباع التطور الغربي خوفها من وقوعها في التخلف والتقوقع. وهكذا انتقل الخلاف بين الدين والعلم من الغرب إلى الشرق وعم في جميع أنحاء العالم وأصبحت التبعية الدينية الصرفة عند القلة من الناس وأصبحت شيء من التقاليد والتراث.
أما الاكتشافات العلمية فلم تتوقف عند حدود المستوى الميكانيكي والكهربائي والكيمائي والالكتروني، بل تابعة إلى المستوى الذري والنووي، وأيضاً إلى مستوى حقول الطاقة ومنها إلى الحقل الموحد، ألذي يشير إليه العلم أنه حقول واحد لا محدود وغير ظاهر، ومن انبثق الكون أجمع.
العودة إلى التوافق بين العلم والدين
هناك تيار علمية متعددة منها من يربط هذه الاكتشافات الحديثة مع النصوص والكتب للحضارات القديمة بما في ذلك الكتب الدينية، ويصرح بعد العلماء الذي اعتمدوا أسلوب المقارنة بين الاكتشافات العلمية والنصوص القديمة، أن هذه النصوص قد ساعدتهم على اكتشاف المزيد من النظريات العلمية. ومثال على ذلك رواية التكوين وآدم وحواء، تحول الأحادية الساكنة إلى تعددية ثلاثية ديناميكية، تجلي أو تجسد الروح الإلهية في الإنسان "آفتار"، البداية والنهاية، الألف والياء، إضافة إلى عبارات كثيرة لقوانين الطبيعة مثل الإنسان هو على صورة الله، الإنسان هو كوني، ملكوت السموات، وأيضاً تأثيرات الصلوات والدعاء والذكر، وغير ذلك من الترابط بين مفاهيم العلم والمبادئ الدينية.
في المقالة المقبلة سنتوسع في نقاط الترابط بين العلم والدين.
مقدمة كاتب المقالات:

المقدمة
لقد تخصصت في العلوم الإدارية والمالية لمدة عشرين سنة، وبعد ذلك شأت بي الأقدار أن أتخصص في علوم مهاريشي الفيدية، وصلت إلى مستويات مرموقة في هذا المجال الذي يتضمن أبحاث ودراسات معمقة في مجالات تطوّر الوعي الفردي والوعي الجماعي ومجالات التطور الروحي إضافة إلى الإطلاع على أهم وأحدث الاكتشافات العلمية بما في ذلك علوم فيزياء الكم وعلوم الفسيولوجي البشرية، وعملت ولا أزال أستاذاً لعدد من برامج وعلوم مهاريشي بما في ذلك تقنية التأمل التجاوزي وعلم الذكاء الخلاق.
التأمل التجاوزيخلال أكثر من عشرين سنة في تعليم برامج مهاريشي، التقيت بآلاف الأشخاص في لبنان والدول المجاورة، الذين تعلموا تقنية التأمل التجاوزي وتابعوا في علوم مهاريشي المختلفة. وكان هؤلاء من مختلف المستويات العلمية ومختلف الطبقات الاجتماعية ومختلف المذاهب والطوائف الدينية، بما في ذلك منهم من يتبع فلسفة الإلحاد، وبالرغم من الدوافع المختلفة التي أتت بهم لتعلم تقنية التأمل التجاوزي، إلا أن غالبيتهم الساحقة، يمكنني القول أكثر من 99%، كان يهمهم معرفة ما إذا كان ما يقومون به لا يختلف مع معتقداتهم الدينية. حتى أن أحد الأشخاص الذين كانوايتبعون فلسفة الإلحاد، كان يريد أن يعرف ما إذا كان تطور وعيه سيعطيه المقدرة لمعرفة ما إذا كان الله موجوداً.
وجدت أن اهتمام الناس أجمع ومحور حياتهم يرتكز على الوجود الإلهي، لكن الناس يعانون من عدم مقدرتهم على تحقيق ما يرد في جميع الكتب السماوية في أن يعيش الإنسان بالسعادة والبحبوحة والعدل والرخاء وغير ذلك من النعم الإلهية.
إن علوم مهاريشي الفيدية تعطي تطور على كامل مستويات الإنسان؛ على المستوى البدني (الجسم) والمستوى العقلي والمستوى الروحي. في التعمق في علوم مهاريشي النظرية مثل علم الذكاء الخلاق والمحاضرات المتقدمة التي تلقيناها من مهاريشي، وفي المقارنة مع العلوم الدينية، لم أجد إضافات كثيرة لمعرفة نظرية، لما يرد في التعاليم الدينية من مختلف الطوائف والمذاهب. إن المبدأ الأول في علوم مهاريشي من أجل التطور الروحي هو: "يوغا ستات كورو كرماني" أي معناه "تثبت بحالة التوحيد وقم بالعمل". وهذه القول نجدة في كل الديانات دون استثناء، في الإسلام يقال "أعقل وتوكل"  وفي المسحية "اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وبِرَّهُ، وذلِكَ كُلُّهُ يُزَادُ لَكُم" وكذلك في كل الديانات الأخرى، أما عن طريقة الوصول إلى ذلك، كان يقول لنا مهاريشي اذهبوا إلى الداخل إلى الوعي الصافي الذي هو حقل غير محدود من الطاقة، وعندما يثبت العقل الواعي في هذا المستوى تكون قد وصلتم إلى حالة التوحيد بالطاقة الكونية. إما في الديانات فيتحدثون أيضاً عن طرق الوصول الطاقة غير المحدودة. في القرآن الكريم: "وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون" وفي الإنجيل المقدس "لا تبحثوا عن ملكوت الرب هاهنا أو هناك، إن ملكوت الرب فيكم". وهكذا نرى أن الهدف واضح جداً وهو التوحيد أو العقل أو ملكوت الرب. والموقع هو واضح في أنفسنا وفي داخلنا، أما الطريقة في من خلال التجاوز أو التسامي كما يقول مهاريشي، وفي الإسلام؛ علينا أن نجدد إيماننا ونقوي صلتنا بربنا كي نشعر بالسكينة،  وفي المسيحية يقال "أدخل إلى مخدعك وأغلق بابك وصلي في الخفاء" وفي التوراة يقال "استكينوا واعلموا أني أنا الله".
هكذا نرى أن طريقة الوصول إلى الكمال هي واضحة جداً، ولكن ما يفتقد إليه الناس هو التقنية الصحيحة لممارسة ما توصي به دياناتهم كي يصلوا إلى حالة الفرح الدائم. وهذا النقص هو ليس في ديانة واحدة أو أثنين أو أكثر، إنه في كل الديانات أيضاً، ويعود السبب في ذلك إلى عاملالزمن. الزمن هو الذي يضيّع المعالم، ومع الزمن تتناقل الأجيال الحقيقة الدينية ومن جيل إلى جيل تضيع المعرفة. وهكذا ضاعت التقنياتالدينية للوصول إلى هدف الحياة وراح الإنسان يتخبط بالمعاناة والعذاب والقهر.
مهاريشي ماهش يوغيأما الآن وفي هذا العصر العلمي، أتى عالم كبير من الهند يدعى مهاريشي ماهش يوغي، حائز على ماجستير في الرياضيات والفيزياء، كما درس لمدة ثلاثة عشر سنة العلوم الفيدية القديمة، ودرس هذه العلوم من مرجعية كبيرة مؤتمنة على الحفاظ على نقاء هذه العلوم. من ثم قدم مهاريشي تقنية التأمل التجاوزي إلى التيارات العلمية في الغرب كي يقوموا بشتى أنواع الدراسات والأبحاث حول منفعتها، ونتيجة لهذه الأبحاث العلمية أصبحت هذه التقنية البسيطة معتمدة كجزء مكمل لكثير من المناهج العلمي مثل التربية والتعليم والطب والصحة والعلوم والفسيولوجيا البشرية والفيزياء الحديثة وغيرها من العلوم.  
أمام هذا الواقع أردت أن أضع مقارنة بين العلم والدين، أردت أن أظهر بشكل موجز ما توصل إليه العلم من اكتشافات حول وجود الكون وطبيعته وحول قوانين الطبيعة التي ترافق انبثاق الكون وتمدده وفنائه، وهذه القوانين الطبيعية التي تعمل على مستوى الكون هي بذاتها تعمل على مستوى الإنسان، من ولادته وحياته إلى وفاته.
وهنا لا بد أن نشكر جريدة صدى البلد التي نشرت هذه المقالات على مدى اثني عشر أسبوعاً في صفحة كاملة في كل أسبوع.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير
  • سليم حداد
من بين الكلمات التى يقرؤها الانسان كلمات تبدو كالجواهر المرصعة كالكنوز المختفية فى زحام المعلومات والمقالات عندما قرأت هذه المجموعة من المقالات شعرت بأنها صفعة قوية على وجه الالحاد الذى لا يكاد يؤمن بشئ سوى العلم. وها هو العلم يلتقى بالدين ليؤكد حقيقة وجود الله كحقيقة علمية لا تقبل الشك وربما تبدو هذه الحقيقة قد جاءت أخيرا لتنهى صراع الأديان والحضارات ولتوحد العالم على حقيقة الأديان والمعتقدات التى هى فى جوهرها وأهدافها شئ واحد لا اختلاف فيه كما أن هذه الحقيقة ستوجه طاقة الانسان الى معرفة جوهره والوصول الى الروح التى تسكنه وربما يكون هذا هو هدف رحلة الحياة بأكملها أن تمتلئ النفس بالروح وتصل الى مرحلة الصفاء وهى بهذا تحرر الانسان من عبوديته للعديد من الأشياء كالغريزة والمال ومختلف الأهواء والفلسفات والأفكار التى قسمت العالم وتسببت فى العديد من الحروب العرقية والطائفية والدينية تبدأ هذه المقالات بمقدمتين ثم سبع مقالات تنتهى بالمقال الثامن الذى يؤكد حقيقة وجود الله كحقيقة علمية مكتشفة حديثا وهذه هى المقدمة الأولى لهذه المقالات بعنوان ديانة العلم: يصبو الوعي البشري دائما إلى الكمال لأن الإنسان مخلوق واع ويدرك ما هو الصواب وما هو الخطأ، ويعرف بشكل غريزي أن قدراته هي أكثر بكثير مما يستخدم في حياته اليومية، لذلك نرى الإنسان وفي كل العصور، وحتى منذ ما قبل التاريخ البشري المعروف، يبحث باستمرار عن ما يمكنه أن يصل به إلى الكمال. وضع الإنسان معايير للكمال، فشخّصها بصفات فائقة، سماها الصفات الإلهية، وعرف أن هذه الصفات هي تلك التي يستطيع جهازه العصبي أن يصل إليها، لذلك نرى في كل الحضارات وكل الديانات ما يشير إلى قدرة الإنسان ورغبته في الوصول إلى الكمال. أما في عصرنا هذا، العصر العلمي الذي لا يقبل بأي شيء إلا إذا تم إثباته علمياً، فنجد الإنسان يدور ويدور ومن ثم يعود ويكتشف إمكانياته وقدراته غير المحدودة التي هي بذاتها واردة في الحضارات القديمة والديانات عبر كل العصور. هذه المجموعة من المقالات هي هدية لكلّ من يريد أن يتمتع بجماليات الوجود. وكما يقول المثل الشعبي: "كل الدروب تؤدي إلى الطاحونة" كذلك نستطيع القول أن كل الديانات تؤدي إلى الله، ونضيف أن العلم الحديث يكتشف الآن تلك الحقيقة، فهل سيصبح العلم ديناً نقتدي به للوصول إلى الله، ونضيف له رمزاً آخر إلى الرموز الدينية.

الأحد، 29 يناير 2012

الوصول لحالة السكينة النفسية عن طريق الوصول لحالة الهمود

هكذا نجد أن معظم الطرق والأساليب المعتمدة في جميع أنحاء العالم وجميع الديانات، لم تعطي الإنسان القدرة على تحقيق هدفه الأسمى وهو في أن تصل النفس البشرية إلى حالة من الاستقرار التام. أي بلغة العلم إلى حالة الهمود التام. في علم الفيزياء يقولون أن الرابط بين الحقل النسبي والحقل المطلقة هو ما يعرف بالكوارك، وهو العنصر الذي يعطي البروتون ليكون نواة الذرة، هذا الكورك هو ليست سوى موجة تتنابض كي تصل إلى سرعة فائقة وعند بلوغها أقصى مجال من السرعة تعطي أو بروتون. هذه الموجة وكل موجة أخرى تنطلق من السكون ومن ثم تبدأ بالتنابض إلى أن تصل إلى سرعتها الأقصى. يعتبر العلماء أنه بواسطة الكورك يمكن الانتقال من الحقل النسبي المتفاعل إلى الحقل المطلق الساكن. أما على صعيد الإنسان، فيجب أن نجد ما له صفات مثل الكورك أي أن يكون متفاعلاً من جهة وساكناً من جهة أخرى، وبعد البحث لم يجد العلم سوى "الصوت" الذي يكون ساكناً من جهة ومتفاعلاً من جهة أخرى. يستطيع الإنسان أن يستخدم صوتاً معيناً كي يأخذ عقله الواعي من المستويات السطحية إلى مستوى السكون، وبالتالي يحدث ما نسميه الموجة الساكنة على المستوى النفسي الأمر الذي يساعد على إزالة الانطباعات النفسية.

تقنية جديدة مثبتة علمياً

وهنا تقدم العالم الهندي المعروف عالمية بعرض تقنيته الحديثة على المراجع العلمية، والتي يقول أنها تستطيع أن تأخذ العقل الواعي إلى اختبار حالة من التسامي التي تعطي السكون المطلق، وقال مهاريشي أن تقنية لا تعتمد على أسلوب التركيز أو أسلوب التبصر، بل هي تعتمد على طبيعة العقل في الاستقرار في الحقل غير المحدود من الوعي الصافي الموجود في داخل كل إنسان. مهاريشي الحائز على الماجستير في الرياضيات والفيزياء، تتلمذ على يد معلم عظيم في الهند اسمه غورو ديف سوامي برهمناندا ودرس منه علوم الفيدا لمدة ثلاثة عشر سنة، هو واضع التقنية المعروفة عالمياً وهي تقنية التأمل التجاوزي. وقد عمل مع مهاريشي عدد من العلماء وأسس عدة مراكز للدراسات العلمية وجامعات حول العالم. وهذه المؤسسات تضع المناهج التطبيقية لعلوم مهاريشي الفيدية بما في ذلك برنامج التأمل التجاوزي.

تقنية فريدة تعطي حالة السكون

لقد أجر العديد من العلماء الأبحاث حول تقنية التأمل التجاوزي، بات هؤلاء العلماء يعتبرون أن تقنية التأمل التجاوزي هي التقنية الفريدة التي تسمح للعقل الواعي في أن يختبر الحقل التجاوزي - الوعي الصافي - في حين أن التقنيات الأخرى تعطي حالة من الاسترخاء والراحة. عندما يصل الإنسان إلى حالة السكون في التأمل التجاوزي، يستطيع أن يتخلص من الانطباعات والضغوط النفسية. ويتم اعتماد هذه التقنية في المناهج التعليمية في عدد كبير من المدارس حول العالم، كما يتم اعتمادها كتقنية للوقاية والعلاج من الأمراض، وتعتمد من قبل المؤسسات التجارية كبرنامج لتنمية قدرات الموظفين والعمال، وتستخدم أيضاً في عدد كبير من برامج إعادة التأهيل لمصابي الحروب والمساجين والمدمنين على المخدرات والكحول، وعلاوة على ذلك تستخدم في مجموعات لخلق التماسك في الوعي الجماعي في البلد وخلق المنعة التي لا تقهر لكل وطن وللعالم ككل. كما يصرح عدد من رجال الدين من الديانات المختلفة أن ممارسة هذه التقنية تساعدهم على التعمّق أكثر في صلواتهم وتقربهم من الله.

وبذلك نختم هذه السلسلة من المقالات حول التلاقي بين العلم والدين الأمر الذي يفتح لنا المجال في تحديث حياتنا ومعتقداتنا الدينية بشكل يجعلنا قادرين على تحقيق غاية الإنسان وغاية كل دين والعيش في الجنة على الأرض.

وسيلة علمية للخلاص

بعد أن عرضنا في المقالات السابقة الاكتشافات العلمية وتطابقها الكبير مع العلوم الدينية، وبعدما استطاعت الفئات العلمية في الدخول في أعماق الذات والمستويات الروحية، وإظهار حاجة النفس البشرية للتحرر من الضغوط والانطباعات وبالتالي أعطى العلم التفسير الواضح لحاجة الإنسان في الصلاة والتعبّد. بقي على العلم أن يجد الوسيلة الصحيحة لتحقيق غاية الحياة في التحرر النفسي من الانطباعات، أي التخلص من الخطيئة كما يرد في التعاليم الدينية.

البحث عن الوسيلة لاختبار السكينة



منذ حوالي خمسين سنة تجري التيارات العليمة الدراسات المتعمقة عن جميع التقنيات المعروفة للتطور النفسي والروحي، بما في ذلك الممارسات الدينية في كل الأديان الحديثة (المعروفة بالأديان السماوية) والأديان القديمة في شرق آسيا. وجد العلم العديد من الطرق والممارسات التي تختلف كثيراً عن بعضها البعض. في الديانة المسيحية هناك أكثر من 372 طريقة مختلفة في الممارسات والطقوس الدينية، وفي الإسلام هناك 78 طريقة وفي اليهودية أيضاً كذلك، أما في الديانات القديمة هناك طرق مختلفة تعد بالآلاف، إضافة إلى الممارسات الحديثة مثل اليوغا وتقنيات التنفس وتقنيات التركيز والتأمل. وفي ظل هذا العدد الكبير من الطرق والممارسات والتقنية وجد العلم أن هذه الطرق جميعها تصنف بفئتين أساسية، منهم من يعتمد التركيز ومنهم من يعتمد التبصر أو التمعن.

تقنيات التركيز

في تقنيات التركيز يضع الممارس لهذه التقنيات غرض ما في مجال عقله الواعي ويركز كل انتباهه عليه لأطول مدة ممكنة. مثال على ذلك أن يستخدم صورة أو كلمة أو صفة أو شمعة أو أي غرض آخر. في عملية التركيز يحشر الإنسان عقله الواعي في نقطة واحدة. وهذا يتطلب جهد من الإنسان في أن يمنع العقل الواعي من أن يشرد عن الغرض الذي يركّز عليه. إن طبيعة العقل تتطلب التركيز خلال عمل الإنسان، فالإنسان يركز على عمله كي ينجز العمل بشكل صحيح. وبالتالي لا يمكن أن يكون التركيز وسيلة من أجل إحداث موجة ساكنة على مستوى النفس. ربما تكون تقنيات التركيز قد أتت بهدف الوصول إلى حالة عدم الحركة العقلية، التي كان من المعتقد أنها ستعطي الراحة النفسية أو السكون النفسي. ولكن الدراسات العلمية لم تستطع تأكيد ذلك.

تقنيات التبصر

أما تقنيات التبصر أو تحليل المعاني، فهي في أن يفكّر الإنسان بموضوع معين أو كلمة أو جملة أو عبارة من كتاب مقدّس أو أي كلمة أخرى، ويدخل في تحليل المعنى لما يفكر به. في تقنيات التبصر لا يحشر الإنسان عقله الواعي في نقطة واحدة، بل يجعله يسرح في المعاني، وبالتالي يظل العقل الواعي متنابضاً في المستويات العقلية، ولكنه لا يستطيع الوصول إلى حالة السكون التي تسمح للعقل أن يتجاوز نشاطه الفكري، ويختبر السكون النفسي.

الموجات الساكنة

عندما يصل العقل إلى حالة السكون تبدأ الانطباعات النفسية بالتلاشي نتيجة الموجات الساكنة التي أثرت على الموجات المتوترة، وبالتالي يتم إلغاء مفعول الموجات المتوترة بالموجات الساكنة. هذا هو التحليل العلمي للتخلص من الانطباعات النفسية. في الطب النفسي يستخدمون نوع من المسكنات ليكسب لإنسان الراحة. ولكن هذه المسكنات لا تزيل التأثيرات السلبية للانطباعات النفسية، بل تخدّر التوتر الذي يبقى في الجهاز العصبي، ويعود التوتر بعد انتهاء مفعول الدواء المسكّن. لذلك يبحث العلم الآن عن وسيلة فعّالة.

طبيعة العقل



فلنتوسع في الشرح. أولاً يتوجب علينا أن نفهم طبيعة العقل. هناك ما يسمى العقل الواعي، أي المقدرة العقلية التي يتحكم بها الإنسان، وهناك عدة مستويات للعقل، وهي بالتدرج من المستوى السطحي إلى المستوى العميق: الإدراك الحسّي (الحواس)، ومن ثم الذاكرة، فالعقل المميز (الفكر) ومن ثم شعور الأنا. وبعد مستوى الشعور وإذا تابعنا الدخول في الأعماق ندخل في المستوى النفسي ومن ثم المستوى الروحي.

إن كل مستوى من مستويات العقل له وظائفه وله نمط لتفاعله، فمستوى الإدراك الحسي يدرك الإنسان من خلال الحواس، وفي مستوى الذاكرة نتذكر المشاهد والروايات، وفي مستوى العقل التمييزي ندخل في التحليل المنطقي، أما في مستوى الشعور بالأنا، يتفاعل العقل بالمشاعر والعواطف. ومن أجل أن نأخذ عقلنا الواعي إلى المستويات النفسية عليه أن يتجاوز هذه المستويات العقلية، ولكل مستوى هناك وظيفة له، في المستوى الإدراك الحسي علينا أن نشغّل الحواس الخمس. ومن أجل أخذ العقل الواعي إلى مستوى الذاكرة علينا أن نتذكر ما نعرفه. ومن أجل الوصول إلى العقل التمييزي، علينا أن ندخل في تحليل الأمور، أما للوصول إلى مستوى الشعور، علينا أن نثير العواطف. ومن أجل أن نتجاوز مستوى العواطف علينا أن نصل إلى أعمق مستوى من العواطف، والمستوى الأعمق للعواطف نصل إليه بالحب والعشق والتعبد، وكي نستطيع الوصول إلى تلك الحالة القصوى يتطلب ذلك تفاعل العقل والقلب معاً. هذا ما توصل إليه علم النفس. وعندما يصل الحب إلى مستوى العشق الخالص والتعبد، يتجاوز العقل الواعي جميع المستويات العقلية، ويختبر السكون المطلق، وبذلك يعطي موجة ساكنة على المستوى النفسي.

الصلاة بصمت

هذا الاستنتاج العلمي له ما يلاقيه في الديانات، فهي تدعوا الإنسان كي يكسب حالة السكون. في التوراة يرد في المزامير عبارة تقول: "استكينوا واعلموا أني أنا الله" وفي المسيحية يدعون للوصول إلى حالة الصمت في الصلاة. وفي الإسلام يدعون للصلاة كي تحل علينا السكينة. نجد أن الصلاة والممارسات الدينية الخاصة، لها تأثيرات تعطي الإنسان حالة السكون والسكينة، ونجد ذلك أيضاً في الحضارات القديمة، في الهند يسمونها حالة السمادي، أي السكينة المطلقة. كذلك نجد الأمر ذاته في حضارات الفراعنة وحضارات بلاد ما بين النهرين، واليونان والرومان وغيرها. وهذه هي الغاية الحقيقية لكل الممارسات الدينية.

السكينة النفسية من أجل الخلاص

بعد أن أظهرنا أن الحياة السعيدة والمنسجمة للإنسان تكون متوفرة عندما تكون النفس طاهرة من الانطباعات، وأظهرنا أهمية التخلص من الضغوط والانطباعات النفسية، علينا أن نجد الوسائل التي تساعدنا على التخلص من الانطباعات.

تقر الأبحاث العلمية أن أي فكرة أو كلمة أو عمل تحدث موجات من الطاقة تسرح في الكون، فترتطم بالموجودات الكونية وتؤثر على كل شيء ترتطم به. وأكثر من يتأثر بهذه الموجات هو من يصدرها. مثال على ذلك إذا أتت فكرة إيجابية لشخص ما، يشعر هذا الشخص بشعور إيجابي. هذا الشعور الإيجابي يعطي انطباعاً نفسياً إيجابياً. أما إذا أتت فكرة سلبية، فتعطي انطباع نفسي سلبي. تتجمع هذه الانطباعات النفسية وتلازم النفس، بشكل موجات متفاعلة من الطاقة، فتجعل النفس متفاعلة مع هذه الموجات وبالتالي تصبح النفس غير مستقرة، وهذا ما يعرف بالتوتر النفسي.

إعادة إحياء وسائل التطور الروحي

ومن أجل إزالة التوتر النفسي، يتطلب الأمر أن نحدث تأثيراً من السكون على المستوى النفسي، أي أن نرسل موجة ساكنة، عندما نرسل الموجات الساكنة تحدث توازناً بين الموجات السلبية والموجات الإيجابية، فتنعدم فعالية هذه الموجات التي تبدأ بإلغاء تأثيراتها. وبالتالي تبدأ الضغوط والانطباعات النفسية في الانخفاض التدريجي. ربما يتطلب الأمر مدة طويلة للتخلص من جميع الانطباعات، ولكن الوسيلة الوحيدة هي في إحداث موجات نفسية ساكنة باستمرار كي تلغي مفعول الموجات المتوترة.

هذا ما يبحث عنه العلم الآن، إنه يبحث على الوسائل والطرق التي تعطي موجات ساكنة على المستوى النفسي. وهنا لا بد أن نفهم الطبيعة البشرية كي نعرف كيف يستطيع الإنسان أن يصل إلى السكون. عندما يجلس الإنسان أو يستلقي يتوقف عن الحركة، ولكن الجسم لا يكسب حالة السكون، فيظل الجسم يتفاعل. لا يستطيع الجسم أن يكسب السكون إلا إذا استطاع العقل أن يكسب السكون أيضاً. ولكن السكون العقلي هو صعب المنال ما دام هناك توتر نفسي. ونحن نختبر ذلك بوضوح وعلى مدار الساعة، يظل العقل متأرجحاً بين الأفكار ولا يهدأ إلا لفترات وجيزة خلال النوم، ولكن حتى خلال النوم يدخل العقل في حالة الحلم التي هي حالة تفكير للعقل. إن إمكانية سكون العقل ممكنة إذا توفرت الوسيلة. إن العقل الذي يستطيع أن يفكّر باستمرار، يستطيع أيضاً أن يتوقف عن التفكير، ومع توقف العقل عن التفكير نختبر حالة من