الأربعاء، 7 مارس، 2012


اكتشاف علمي لحقيقة الله
إذا كانت الطاقة الكونية للحقل الموحد هي الروح العظمى في الكون، وهي ثابتة لا تتغير، لا تظهر ولا تختفي، لا تتأثر بأي عوامل خارجية لأنها المصدر لكل شيء منها أتى كل شيء وإليها يعود كل شيء، وإذا كانت هذه الطاقة الكونية هي حقل لا محدود من الوعي، يتمدد دون أن يزيد ويتقلص دون أن ينقص لأنه لا محدود ولا متناهي، لا بداية له ولا نهاية له، وعندما يشاء إظهار الوجود يُحدث تنابض في حقل الجاذبية فتنهض من حالة الهمود، وتندفع لإظهار حقول التفاعلات الثلاث ومن ثم تتابع بدفعها لإظهار العناصر الخمسة للمادة، ومن كل هذا تأتي جميع الكائنات. إذا كان كل هذا هو ضمن نطاق الإثباتات والبراهين العلمية، يكون العلم قد وصل بنظرياته وصيغه الحسابية الصارمة إلى إثبات الوجود الأزلي السرمدي لله. بذلك يكون العلم قد كشف الحقيقة الإلهية بشكل علمي.
العلم يتابع البحث
أما العلم فلم يكتفي بهذا الاكتشاف عند هذا الحد، بل إنه يتابع ليكشف المزيد. عندما يكون الحقل الموحد بمثابة الروح الإلهية، ماذا يكون حقل الجاذبية؟ من تسميته نفهم أن حقل الجاذبية هو الحقل الذي يجذب إليه كل شيء. عندما لا يكون الوجود ظاهراً لا يستطيع هذا الحقل أن يجذب شيئاً، أما عندما يظهر وبعد أن يصل الوجود إلى مداه الأقصى، ويعود ويضمحل وينجذب إلى حقل الجاذبية، ولكن ماذا يدخل في حقل الجاذبية؟
مراحل الفناء
عندما يكون الكون قد وصل إلى مداه الأقصى، يبدأ بالتفتت والتلاشي والتفكك، وبتفككه تضيع منه طاقة التماسك، ولكن وبالرغم من تفكك كل أشكال المادة وزوال تفاعلات الطاقة تبقى الطاقة الكونية (الوعي) التي كانت متغلغلة فيه، هذه الطاقة الكونية وخلال تغلغلها في المادة اكتسبت انطباعات واختبارات من جراء وجودها المادي، هذه الانطباعات لا تزول بفناء المادة وبزوال التفاعلات، بل تنجذب هذه الانطباعات إلى حقل الجاذبية، وتلازمها لحين انبثاق الكون من جديد. هكذا نرى أن الطاقة الكونية لا تتأثر بأي شيء في حين أن الجاذبية تجمع حولها انطباعات واختبارات الوجود المادي. وهكذا نرى أن الفناء الكوني يكون تدريجياً بدءاً بفناء المستويات المادية ومن ثم زوال مستويات التفاعل وآخرها حقل التفاعل القوي، فتنجذب كل الانطباعات في حقل الجاذبية وهكذا تهمد الجاذبية. يشبه انبثاق الكون ومن ثم انقباضه في حقل الجاذبية، عملية الشهيق والزفير، في الشهيق تجذب الجاذبية كل الانطباعات الكونية ويزول الوجود (الثقب الأسود)، وفي الزفير تطلق الجاذبية الانطباعات الكونية التي كانت اختزنتها ويظهر الوجود من جديد (سوبر نوفا). وهكذا نرى وكأن الكون يتنفس؛ يظهر في الزفير ويضمحل في الشهيق. وكأن حقل الجاذبية هو حقل النفس الكونية. وهكذا تكون طاقة الحقل الموحد هي الروح الكونية، في حين أن الجاذبية هي النفس الكونية. الروح والنفس هما خالدتان في حين أن العقل والجسم يزولان.
الفرد هو كوني
هذا الوصف الكوني يتطابق تماماً مع تكوين الإنسان. نحن نعلم أن الإنسان يتكوّن من مستويات الجسم، بما في ذلك الحواس الخمسة التي تعتمد على عناصر المادة الأساسية، وأيضاً المستويات الثلاثة للعقل، وهي العقل الغريزي المرادف لحقل الكهرومغناطيسي والأنا المرادف لحقل التفاعل الضعيف والعقل الواعي المرادف لحقل التفاعل القوي، ومن ثم النفس التي هي غلاف الروح. تقول الكتب الدينية أن النفس هي التي تحاسب عند الله، فهي التي تجمع كل الخطايا، تماماً مثل حقل الجاذبية الذي يجمع كل الانطباعات حوله.
وهنا لا بد أن نردد ما قاله الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة: "وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر"، وهذا ما كان يردده دوماً العالم الكبير في هذا العصر مهاريشي ماهش يوغي بقوله: "الفرد هو كوني".
يتكون الفرد من الطبقات الثلاثة؛ المستوى الروحي والمستوى العقلي والمستوى الجسدي. الجسم ينفذ توجيهات العقل والعقل يستمد الطاقة من الروح.
الانطباعات النفسية تلوّن على العقل
الجسم يعمل والعقل يدرك الوجود المادي من خلال الحواس الخمسة، يخزن العقل كل ما يدركه في الذاكرة وأيضاً في المستوى النفسي، فتتجمع عند الإنسان الانطباعات النفسية التي تؤثر على تصرفاته وقراراته. إن المعلومات التي تخزن في الذاكرة هي أقل أهمية من المعلومات المخزنة في المستوى النفسي. وذلك أن من طبيعة الإنسان النسيان، فينسى ما في ذاكرته. لكن الانطباعات النفسية ترسخ في النفس الخالدة. تؤثر الانطباعات النفسية على حياة الإنسان بشكل عام. إن كل شعور ومزاج وفكرة وعمل، وكل ما نقوم به يتأثر بالانطباعات النفسية. حتى أن الانطباعات النفسية الفردية تؤثر على من حولنا وما حولنا من إنسان وحيوان ونبات. هذه الانطباعات النفسية هي التي تلوّن وتغير الطاقة التي تندفع من الروح إلى العقل. وبالتالي وحسب هذه الانطباعات النفسية يتصرف العقل إيجابياً أو سلبياً. هذه الانطباعات النفسية تعرف بلغة الطب Stress أو الإجهاد والضغوط.
في المقالة المقبلة سنتكم عن وسائل التخلص من الانطباعات النفسية.

الطاقة الكونية والإنسان
في المقالات الست السابقة شرحنا الترابط بين النظريات العلمية لوجود الكون والروايات الدينية ووجدنا التطابق الكبير والرائع بينهما. نتابع في هذه المقالة لشرح هذه المستويات المكتشفة علمياً في حياة الإنسان.
طاقة أكبر في المستويات العميقة
هناك مقارنة قام بها أحد العلماء. تتناول تغير التموج والتذبذب بعد انطلاق الطاقة من مستوى الحقل الموحد. تقول علوم الفيزياء أن الكون الظاهر هو حقل من التموج والتذبذب، تماماً يشبه البحر الدائم الحركة. وتقول الفيزياء كلما انطلقت التذبذبات من مصدرها وابتعدت تتغير في غزارتها وقوتها. فالتذبذبات على مستوى التفاعل القوي هي أقوى وأكثر غزارة من التذبذبات على المستوى السطحي من الوجود. لذلك إن وظائف المستويات العميقة من الوجود المادي هي أقوى وأكثر فعالية من وظائف المستويات السطحية. فالتفاعل النووي هو أقوى بكثير من التفاعل الكيميائي مثلاً.
الروح الكونية في تغلغلها في الوجود
في لغة العلوم الدينية، والفلسفات القديمة وخاصة في العلوم الفيدية، يشرحون أن الكون هو حقل من الأنغام والأصوات. وهذه الأنغام هي تمدد للروح الكونية غير المحدودة، (الله الذي هو الروح هو موجود في كل شيء) في كل مستوى من طبقات الوجود تكون للروح الكونية طاقة محددة، ففي مرحلة خلق الكون، تنعكس الروحة الكونية طاقتها بثلاثة وظائف هي: وظيفة الخلق ووظيفة الحفاظ على الخليقة ووظيفة الفناء. في الحضارات القديمة كانوا يشخصون كل شيء، وكانوا يعطون قوى الطبيعة رسوم بشرية، ويعتبرونها متفوقة عن البشر، ويسمونها آلهة أو أنصاف آلهة، وغير ذلك مما نعرفه في الأساطير والروايات القديمة، تماماً كما هي رواية آدم وحواء. هذه المفاهيم التشخيصية لقوى الطبيعة كانت سائد في جميع الحضارات القديمة، بما في ذلك الحضارة اليونانية والفرعونية والهندية والصينية وأيضاً حضارة المايا في الطرف الآخر من الكرة الأرضية. وفي كل هذه الحضارات هناك الخالق وهناك المدبر وهناك أيضاً المدمر الذي يفني المادة التالفة. على صعيد المثال في الحضارة الفيدية هناك براهما الخالق، وفيشنو الذي يحافظ على النظام الإلهي وشيفا الذي يدمر الخليقة الفانية.
وفي الحضارة الفيدية أيضاً يعتقدون أن برهمان (الله) عندما يتدخل في الوجود المادي يظهر بشكل كائن حي ويكون هذا الكائن الحي هو تجلي لروح فيشنو المحافظ، في الديانة الهندوسية التي لها جذورها من العلوم الفيدية (العلوم الفيدية ليس ديانة بحد ذاتها) يعتبرون أن السيد كريشنا هو تجلي أو تجسد لفيشنو.
ثلاث وظائف في البدء
لنطابق هذه القوى الثلاثة مع العلم، قوة التفاعل القوي هي المستوى الأول بعد حقل الجاذبية، وهي الظهور الأول في المادة، لها ثلاثة صفات وهي: الخلق والذكاء المنظم والمادة الفانية، وهذه الصفات مطابقة بالتتالي لبرهما وفيشنو وشيفا، وهؤلاء الصفات الثلاثة هي أيضاً في المسيحية معروفة بالأب والابن والروح القدس. الأب هو الخالق الضابط الكل، خالق السموات والأرض وكل ما يرى وما لا يرى... أما الابن فهو الرب المعلم، الذي يعلّم البشر على العيش بشكل صحيح، أما الروح القدس فهو الرب المحي الذي يزيل فينا الخطيئة ويعطينا الحياة الأبدية. هذه التوصيفات الثلاثة هي الوظائف الثلاثة الأساسية في الكون. أما في الإسلام، يرد في كثير من السور والآيات المقدسة أن الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، والوكيل هو المنظم للخليقة. والله هو الذي يحييكم ويميتكم. وهكذا نرى كيف أن الديانات القديمة والحديثة جميعها تقر بمبدأ العمل الثلاثي في بداية الخلق.
ومن ناحية أخرى حقل التفاعل القوي له تشبيه بالعقل الكوني، وكذلك بعنصر الحيّة التي أطلقت الفكرة الأولى في رواية آدم وحواء. لذلك يقولون في بعض الأحيان وفي بعض المعتقدات أن الشخص الذي يعطي المعرفة الإلهية هو تجلي العقل، (العقل الكوني)
أنا البداية وأنا النهاية
إن حقل التفاعل القوي هو البداية والنهاية، منه كانت بداية الكون المادي، وبزواله يكون الكون المادي قد زال من قبله. وحقل التفاعل القوي وصفاته الثلاث هي مرادفة لطاقة الخلق وطاقة المحافظة وطاقة الفناء، وعندما نرى كيف أن الطاقة المحافظة على الخليقة في ضمن حقل التفاعل القوي، نكون قد فهمنا لماذا قال معظم المرسلين أنهم البداية والنهاية، السيد كريشنا قال ذلك منذ أكثر خمسة آلاف سنة، بوذا قال ذلك، السيد المسيح قال ذلك أيضاً، والنبي محمد (ص) قيل عنه أنه خاتمة الأنبياء، والحاكم بأمر الله قيل عنه أنه تجلي العقل الكلي. هؤلاء المرسلون جميعاً وكل من أتى مثلهم إلى هذه الأرض من قبلهم وكل من سيأتي مثلهم من بعدهم هو فعلاً البداية والنهاية، وذلك لسبب بسيط أن كل من هؤلاء يحملون تلك الروح العظيمة القوية التي تمتلك القوة التنظيمية والتي وجدت منذ البدء. ونفهم بذلك ما ورد في الأناجيل كيف أن السيد المسيح كان موجوداً في البدء، وسيظل موجوداً إلى انقضاء الدهر.
إن هذه الاستنتاجات والمقارنات هي ليست الوحيدة بل هناك الكثير من الاستنتاجات التي بنية على أحدث الأبحاث العلمية، التي تذهب إلى حد تحليل معنى الخطيئة، ومسببات بقاء فردية الروح وعدم إمكانية توحدها بالطاقة الكونية، وأيضاً ذهبوا بالتحليل في كيفت تخلص الإنسان من الانطباعات النفسية، أي الضغوط والإجهاد stress بلغة العلم، رابطين ذلك بالصلاة والتعبّد وغيرها من الممارسات الدينية.
بالرغم من أن هذه الاستنتاجات لم تنشر بشكل رسمي بين الأوساط العلمية بعد، إلا أنها يتم تداولها بين عدد من التيارات العلمية. ولكن ما يحيّر غالبية العلماء الذين عملوا على الربط بين الاكتشافات العلمية والمبادئ الدينية، هو أنه كيف تم كتابة هذه الروايات منذ آلاف السنين ويتبين الآن مدى مطابقتها مع الاكتشافات العلمية الحديثة.
في المقالة المقبلة سنتوسع في تركيبة الإنسان وأهداف الحياة. 


تغير السرعة يغيّر الشكل
عرضنا في المقالات السابقة كيف أن الاكتشافات العلمية قد توصلت إلى اكتشاف المصدر الموحد للكون، وعرضنا كيفية انبثاق الكون من هذا المصدر الذي هو الحقل الموحد، وعرضنا الوظائف الثلاث: الخلق والنظام والمادة الفانية، وعرضنا المستويات الخمسة الأساسية للوجود وهي الحقل الموحد وحقل الجاذبية والتفاعل القوي والتفاعل الضعيف والكهرومغناطيسي، وأظهرنا توافق هذه الاكتشافات العلمية مع المبادئ الدينية للديانات القديمة والديانات الحديثة، وأظهرنا كيفية تحول الطاقة من الحقل الموحد إلى الوظائف الثلاثية للتفاعلات، نتابع في هذه المقالة كيفية تحوّل مستوى الكهرومغناطيسية إلى مستويات المتعددة التي ترتكز على خمسة عناصر أساسية مرتبطة بتسارعات الدوران (spinning) التي هي تسارع -1، و-1/2 و0 و+1/2 و+1
عندما تتغيّر السرعة يتغيّر الشكل
عندما تتغير سرعة تفاعل المكونات المادية يتغير شكلها، وهذه الأشكال المختلفة وردت في روايات الخلق الدينية، وهي الظلمة والرياح والنور والمياه واليابسة. هذه العناصر الخمسة في الروايات الدينية لها ارتباط بتسارعات الدوران الخمسة في العلوم الحديثة. إن المكنونات المادية التي هي في الأساس مكوّناً واحداً انبثق من المطلق غير الظاهر وظهر بالكوارك، ومنه تشكلت النواة ومن ثم تلونت وتشكلت الذرات المختلفة، لتتمازج وتكوّن المواد المختلفة. في العلوم؛ الظلمة هي الفراغ أي الفضاء وتعرف أيضاً بالأثير. في حقل فارغ من الأثير لا يمكن إدراك أي شيء سوى الصوت، الصوت ينتقل عبر الأثير ونتيجة لذلك يُسمع الصوت، لهذا تقول الفيزياء إن أول ما ظهر في الوجود هو التنابض، أي النبضات الصوتية. أما الرياح فهي حركة الأثير النابض، حركة الأثير تولّد الرياح، والرياح تعصف في الاتجاهات المختلفة وتصبح ملموسة، لا يمكن لمس الصوت، الصوت يُسمع، ولكن يمكن لمس الريح. ومع ظهور الأثير وحركته بالرياح، يتفاعل ويتفجر ويشع نوره في الكون، وهنا يحدث ما يعرف بالانفجار الكبير "بيغ بانغ" والنور يُرى. وهكذا بعد السمع واللمس يأتي البصر. ومن ثم ومن حرارة النور تذوب العناصر الكونية وتظهر الرطوبة، والرطوبة هي المياه، ومع رطوبة العناصر الكونية تظهر نكهتها ومذاقها، تتحلل المواد برطوبة المياه وتعطي مذاقاً لذاتها وهنا يأتي الذوق. وبالمياه تُجبل العناصر مع بعضها البعض لتشكل اليابسة، وعندما تُجبل العناصر تفحّ رائحتها وتُشم فيأتي الشمّ. وهكذا تكون العناصر الخمسة قد ظهرت من مستوى الحقل الكهرومغناطيسي مهيأة لمستويات المادة أن تتشكّل.
الوظائف الكونية الخمسة للمادة
إن كل هذا الشرح للعناصر الخمسة الواردة في رواية الخلق الدينية، له النظريات العلمية المرتبطة بتسارعات الدوران الخمسة، فكل تسارع يعطي ظهور لعنصر من العناصر الكونية. وهكذا نرى أن المستوى الخامسة أي مستوى الكهرومغناطيسي هو المستوى الذي يهيئ الانتقال من مستوى تفاعلات الطاقة إلى مستويات الظهور المادي، إنه مرحلة التحوّل من الثلاثية إلى الخماسية. الثلاثية هي الفاعل والفعل والمفعول به، والخماسية هي عناصر المادة الخمسة؛ الفضاء (الظلمة)، والهواء (الرياح) والنار (النور) والماء (المياه) والتراب (اليابسة). فهي في خدمة الفاعل كيف يفعل بالمفعول به.

هذه العناصر المادية الخمسة ليست موجودة في الديانات السماوية فحسب بل هي أيضاً موجودة في الديانات والفلسفات والعلوم القديمة. وترتكز العديد من العلوم القديمة والتقاليد الشعبية على هذه العناصر الخمسة، ومنها علوم الطب البدني والنفسي وأساليب تحضير الطعام وحياكة الثياب وأساليب الزراعة والبناء وغيرها من العلوم القديمة.

الوعي والروح الكونية
هناك نظرية علمية أخرى ولها الكثير من الأهمية وهي أن العلم قد توصّل إلى الاستنتاج أن الطاقة الكونية في الحقل الموحد، هي طاقة من الوعي. وهذا الوعي هو متغلغل في كل شيء. إنه الروح الذي يعطي الحياة في المادة. وبإعطائه للحياة، أي الخلق، يكون قد وضع فيها النظام التلقائي للبقاء والاستمرار، وأيضاً يعود ويفنيها عندما تصل إلى مداها وغايتها. 

يقر عدد من التيارات العلمية وخاصة تلك التي تتبع خط ألبرت أينشتاين، بأن مستويات الوجود كلها بما فيها المستويات المادية، تصنف بثلاث فئات رئيسية وهي: الناحية الروحية والناحية التفاعلية والناحية المادية، كما يقولون أن هذه الفئات على المستوى الفردي هي الروح والعقل والجسم.

الجاذبية والنفس
إذا نظرنا إلى حقل الطاقة الكونية وإلى حقل الجاذبية، إنهما المستوى الروحي، أما التفاعل القوي والتفاعل الضعيف والكهرومغناطيسية فيشكلون المستوى العقلي، ومستويات المادة جميعها تشكل المستوى المادي، نستطيع القول أن للكون روح وعقل وجسم. وهكذا نرى أن الاكتشافات العلمية قد توصلت إلى الاكتشاف الذي يظهر أن التركيبة الكونية تشبه التركيبة الفردية كما نعرفها في العلوم الدينية وفي العلوم والفلسفات القديمة. عندما نعلم أن المادة تفنى ومستويات التفاعل تزول، أما الحقل الموحد فهو دائم الوجود، وحقل الجاذبية يهمد ولكنه لا يزول ولا يفنى، نكون قد فهمنا علمياً ما هي المستويات الفانية وما هي المستويات الخالدة وبذلك نفهم علمياً معنى خلود الروح.

في المقالة المقبلة سنتناول أهمية هذا الاكتشاف في حياة الإنسان. 

المصفوفة الأفقية-العمودية
بعدما أظهرنا الهيكلية الأفقية للتكوين في تحول الطاقة الواحدة إلى ثلاثية، وأظهرنا الهيكلية العمودية في المستويات الخمس الأساسية. فلننظر الآن إلى الصورة بشكلها المتكامل.
الثلاثة في المستويات الخمسة

في العلوم الحديثة يقرّ العلماء أن الثلاثية هي في كل المستويات، ويعطونها تسميات متعددة، في مستوى الحقل الموحد تكون هذه الثلاثية متفاعلة في داخل ذاتها، في توازن تام وتناظر تام بحيث لا يمكن أن يظهر منها أو عنها أي شيء، لذلك هي المستوى غير الظاهر في الوجود الذي فيه تكون الثلاثية متواجدة وغير فاعلة في أحادية غير ظاهرة.

أما في مستوى الجاذبية، وكما ذكرنا سابقاً، هناك طرف غير ظاهر والطرف الآخر ظاهر. مع تواجد الصفتان معناً، صفة الظهور وعدم الظهور في الوقت ذاته، يصبح من غير الممكن إدراك حقل الجاذبية منعزلاً فيكون إدراكه عندما يتفاعل مع المستويات الظاهرة الأخرى. حقل الجاذبية هو حقل التهيئة لظهور الوجود. تماماً كما كان دور حواء في رواية التكوين، كان دورها التهيئة لظهور الوجود بسببها أخطأت الحية وأدرك آدم فرديته، وأخرجه الله من الفردوس.

وهنا لا بد من أن نكشف أمراً علمياً، ألا وهو أن الطاقة الكونية في الحقل الموحد والجاذبية ينتميان لما يعرف بالمستوى غير الظاهر للوجود، أي يمكننا القول أنه مستوى المطلق.

البداية والنهاية
المستوى الثالث هو مستوى التفاعل القوي، في التفاعل القوي تتواجد الثلاثية في ثلاثة صفات، الفاعل والفعل والمفعول به، هذه الديناميكية الثلاثية لا يمكنها أن تتواجد منفصلة عن بعضها البعض في حقل التوحيد، لأنها في حقل التوحيد المطلق تكون هذه الثلاثية واحدة، أما في الحقل النسبي تظهر هذه الثلاثية متفاعلة بشكل واضح. إن مستوى التفاعل القوي هو الحقل الذي يظهر فيه الكوارك ويتفاعل كي يعطي البروتون والنيوترون لتتشكل نواة الذرة. أنه يخلق الجزيئات وينظم دورانها ومن ثم يفنيها عند انتهاء دورها. وهنا لا بد من القول أن هذه الوظائف الثلاث تعمل باستمرار وبشكل تزامني، أي أن عملية الخلق تستمر وعملية التنظيم تستمر وعملية الفناء تستمر كلها في آن واحد. وستظل مستمرة ما دامت الخليقة موجودة ولا تتوقف إلا عند الفناء التام بعد أن تصل الخليقة إلى مداها الأقصى في التوسع وتعود وتنقبض فيما يسمى في العلم "الثقب الأسود".
يقال عن هذا المستوى من الوجود، البداية والنهاية لكل شيء، عندما يفنى الكون المادي ستزول المادة ومن ثم تزول حقول الطاقة بشكل تتابعي وبسرعة هائلة، بدءاً من الحقل الكهرومغناطيسي ومن ثم حقل التفاعل والضعيف والتفاعل القوي، فيضمحل الكون في الجاذبية الهائلة للثقب الأسود، ومن ثم يهمد حقل الجاذبية ويستمر الكون في حالة عدم الظهور إلى أن يعود ويتفاعل بذاته وينطلق من جديد، وهكذا تستمر دورة الظهور والفناء الكونية إلى ما لا نهاية.
التمييز والخجل.
يبدأ التفاعل الثلاثي في الظهور ويستمر على المستويات التالية في الخليقة، التفاعل الضعيف والكهرومغناطيسي ومستويات المادة. في مستوى التفاعل الضعيف، وبعد ظهور المكوّنات الأولى للكون، تعطي هذه المكوّنات إشعاعات تؤثر على بعضها البعض، هذه الإشعاعات تنطلق من جزيء متكوّن إلى جزيء متكوّن آخر، وهكذا تتغير ملامح الجزئيات عندما تتعرف على بعضها البعض، وتكون الثلاثية في عملية بث الإشعاعات وعملية انتقالها وعملية تلقيها والتقاطها من الجزيء الآخر. تماماً كما هي موصوفة في رواية الخلق؛ بعدما أدرك آدم ذاته، نظر إلى حواء، ونظرته هذه هي عملية البث، وعندما أدركت حواء أنه نظر إليها كانت عملية انتقال الإشعاعات، ومن ثم شعرت بالخجل، والشعور بالخجل هو تلقي الإشعاعات. ومن ثم عادة حواء ونظرت إلى آدم وحدثت الثلاثية مرة أخرى ولكن بشكل عكسي. لكن هناك أيضاً نقطة هامة يجب أن نلحظها في رواية التكوين وهي أن الله سألهما ماذا فعلتما. وهذا للدلالة أن جميع مستويات الوجود لها تفاعلها الذاتي، ولكنها تعمل بدفع من الطاقة الكونية. فكل نقطة من الوجود هي متصلة بما حولها وأيضاً متصلة بمصدرها في الوقت ذاته.
التهيئة لظهور المادة
أما في مستوى الكهرومغناطيسي، الذي فيه تتكون عناصر المادة وتتمازج لتشكل الوجود المادي الملموس، تكون الثلاثية في عملية دمج الجزئيات المختلفة. هذه الجزيئيات التي خلقة متشابهة نتيجة للتفاعل القوي، وتغيرت نكهتها نتيجة للتفاعل الضعيف، ها هي الآن تتمازج مع بعضها على اختلاف نكهاتها لتشكل عناصر مادية ملموسة. في عملية المزج، هناك تواجد العناصر، أي تواجد العناصر المخلوقة الناتج عن عملية الخلق، ومن ثم مزجها مع بعضها البعض، وينتج ذلك عن عملية التنظيم، ويلي ذلك ظهور المزيج، الذي يخفي العناصر المخلوقة ويظهر شيء جديد، وبذلك تكون عملية الفناء قد حدثت بمزج العناصر المخلوقة وتحولها إلى عناصر مادية ملموسة. والآن يأتي دور العناصر المادية لتظهر، وفي عملية ظهورها عليها أولاً أن تنقل مواصفاتها الجديدة إلى مصدرها، الذي هو المصدر الأساسي للكون، الحقل الموحد، حقل الوعي، كي يدفعها إلى الحقل المادي بخمسة تسارعات، وتعرف هذه التسارعات في العلوم الحديثة، بتسارعات الدوران (spinning) وهذه التسارعات هي تسارع -1، و-1/2 و0 و+1/2 و+1
في المقالة المقبلة سنعرض تأثيرات تسارعات الدوران على عناصر المادة.

أدم وحواء في النظريات العلمية
في المقالة السابقة أظهرنا التقارب بين ثلاثة طبقات من مستويات الوجود الخمسة الأساسية، وفي هذه المقالة الرابعة سنتابع، ولكن قبل أن ننتقل إلى شرح العنصرين التاليين، فلنكشف ماذا يرد في العلوم القديمة.
رواية أدم وحواء في العلوم الفيدية
آدم وحواءإن رواية آدم وحواء تجد مثيلاً لها في الحضارات القديمة، في العلوم الفيدية وهي العلوم الهندية القديمة هناك جزء من أجزاء الفيدا يعرف بالسانكهيا، وتشرح السانكهيا بشكل رائع هذه العناصر الخمسة، في الفيدا هناك عنصر بروشا، الذي هو المطلق الشاهد وغير الفاعل، وحسب الفيدا بروشا يمثل العنصر المذكر في الوجود (آدم)، أما العنصر الثاني يسمى براكريتي، براكريتي تمثل العنصر المؤنث (حواء)، وفي رواية الفيدا، بروشا هو المطلق وبراكريتي هي نبضات الذكاء الكوني، عندما تكون براكريتي هامدة، لا يكون الوجود موجوداً، وعندما تتنابض براكريتي، تدفع الوجود للظهور. في الفيدا، بروشا وبراكريتي يتواجدان في حقل المطلق، بروشا هو طاقة المطلق، وبراكريتي هي نبضات المطلق. تماماً كما هو آدم وحواء في الفردوس. العنصر الثالث في الفيدا هو مهات. ومهات هو العقل الكوني، بوجود مهات وجدت طاقة العقل، وفي رواية الفيدا، العقل يخطئ، وهذا الخطأ يدعى "براغيا براد" وترجمتها حرفياً خطيئة العقل، تماماً كما أخطأت الحية التي أطلقت الفكرة الأولى، ويتوافق ذلك مع نظرية انكسار التناظر في العلوم الحديثة. هذا الخطأ هو علة الوجود، وهو مسبب الوجود، ولو لم يكن هذا الخطاء موجوداً لما كان هناك من وجود، ولما كنت أنت هنا لتقرأ هذه المقالة ولما كنت أنا هنا لأكتبها.
البذرة والشجرة
إن طبيعة الوجود مثل طبيعة الشجرة، قبل أن تكون هناك شجرة كان هناك بذرة، تتفاعل البذرة مع التراب وتنبت، وبالتالي تأتي الشجرة، وهكذا هو الوجود، هناك بذرة الوجود، وهناك التراب، التراب هو المطلق، المذكر، والبذرة هي المؤنث وهي التي تتفاعل في التراب، ومنها تأتي النبتة.
عندما يبدأ الكون بالتفتح لا يمكنه أن يتراجع إلا عندما يصل إلى مداه الأقصى. تماماً كما لا يمكن للشجرة أن تتراجع وتعود إلى البذرة، إلا عندما تصبح شجرة مكتمل وتعطي بذرة جديدة، وهكذا الكون الذي ينبثق من حقل المطلق ومن الطاقة الكونية، لا يمكن أن يتراجع إلى حقل المطلق، إلا عندما يصل إلى مداه الأقصى، ومن ثم يولد ما يعرف في العلم؛ الثقب الأسود Black Hole، في هذا الثقب الأسود تتكاثف الطاقة الكونية بعد أن يكون الكون قد وصل إلى مداه الأقصى، ومنه ينبثق كون آخر من جديد.
الخجل وورقة التين
فلنعود إلى المستويات الخمسة، بعد أن أظهرنا المقارنة بين الطاقة الكونية وآدم، والجاذبية وحواء، والتفاعل القوي والحية، فلنتابع لنرى روعة التشابه في العنصرين الآخرين، العنصر الرابع هو التفاعل الضعيف، كما تقول العلوم الحديثة، وكما ذكرنا في المقالة الأولى، إن التفاعل الضعيف هو المسؤول عن نشاطات الإشعاعات، هو ضعيف وليس له تأثيراً كبيراً بل هو تغيير في النكهة كما قلنا. أما في رواية التكوين ماذا حدث بعد أن أكل آدم التفاحة، نظر إلى حواء وأدرك أنه مختلف عنها، أدرك فرديته وفرديتها، وخجلا من بعضهما البعض ووضعا ورق التين ليتسترا. لقد أظهرت الرواية موضوع الخجل فقط لإظهار التغيير في نظرة كلاهما إلى بعضهما البعض وإلى الأمور من حولهما، بعد أن كانا واحداً، بجسم واحد وانتزعت حواء من ضلع آدم ليصبحا اثنين. ولكن قبل أكل التفاحة لم يكونا على دراية بأي فارق بينهما، أما بعد أكل التفاحة، فتغيرت نظرتهما إلى بعضهما البعض، وشعرا بالخجل. لم يتغير أي شيء هنا، فقط الشعور بالخجل، هذا يتطابق مع ما يرد في الأبحاث العلمية بعبارة التغيير في النكهة، هذا هو حقل التفاعل الضعيف كما أراد أن يخبرنا عنه من أدرك واستوحى رواية الخلق في الكتب المقدسة.
من عرق جبينك تأكل قوتك
هذا التقارب الرائع لا بد أن يتابع، العنصر الخامس في الفيزياء، هو الكهرومغناطيسي، المسؤول عن كل ظواهر الكون، هو الحقل الذي يعكس الطبيعة الظاهرة للوجود، هو الذي يضع تركيبات المادة الظاهرة وقوانين تفاعلها، هذا المستوى هو مستوى ظهور قوانين الطبيعة. أما في رواية التكوين، العنصر الخامس هو القوانين التي أملاها الله على آدم وحواء، قد أعلمهما عن طبيعتهما المادية، بالقول من عرق جبينك تأكل خبزك، أو ما شابه ذلك، أو إعلام حواء أنها ستلد بالأوجاع. إن كل ذلك ليس سوى الإفصاح على قوانين الحياة وقوانين الطبيعة وهذه التعليمات معروفة في علم النفس بالغريزة الإنسانية. وهكذا نرى بوضوح التشابه التام بين الحقل الكهرومغناطيسي وإملاءات الله.
ظهور الأنا الفردية والغريزة
أما في علوم الفيدا القديمة، فالعنصر الرابع هو أهمكر أي الأنا، ويعني ذلك الشعور بالأنا. الأنا الفردية هي ليست أنا الآخرين وهذا يتوافق تماماً مع شعور الاختلاف بين آدم وحواء. أي التفاعل الضعيف في الفيزياء الذي هو التغيير في النكهة.
أما العنصر الخامس في الفيدا فهو "مناس" وكلمة مناس تعني الغريزة أي العقل الغريزي. الغريزة هي طبيعة التقدمّ في الحياة، وهي تماماَ تتوافق مع وظيفة الحقل الكهرومغناطيسي وما أملاه الله على آدم وحواء.
في المقالة الأولى تكلمنا عن التفاعل الثلاثي في عملية الظهور في الطاقة الخلاقة والذكاء المنظم والمادة الفانية. وفي المقالات الثانية والثالثة والرابعة، تكلمنا عن المستويات الخمسة الأساسية في الكون. وأظهرنا التشابه الرائع في كل منها مع ما يرد في الحقائق الدينية للديانات المختلفة. في المقالة المقبلة سنتكلم عن الثلاثية في كل من الطبقات الخمسة. 


العلم ومراحل التكوين
في المقالة السابقة تكلمنا عن المستويات الخمسة الأساسية والعميقة للوجود، وهي الطاقة غير الظاهرة أي الحقل الموحد من ثم الجاذبية وبعدها التفاعل القوي والتفاعل الضعيف والكهرومغناطيسية. إضافة لهذه المستويات الخمسة العميقة المكتشفة حديثاً هناك مستويات المادة الأخرى وهي معروفة جداً مثل طاقة الإدراك والتحسس ووظائف العمل وأعضاء العمل وقواعد الحركة وقواعد المبيت والتجمع وغيرها من مستويات نعرفها من خلال العلوم والقوانين والشرائع والتقاليد الشعبية وغيرها، وهنا لا نتكلم عن الإنسان فقط بل على مستوى الوجود ككل، بما في ذلك الإنسان والحيوان والطيور الأسماك والحشرات والنبات والجماد، وكل ما يدور في الحقل المادي، الحقل النسبي.
الطبقات الخمسةأما هذه الطبقات الخمسة في نظريات فيزياء الكم الحديثة، والتي لا تزال موضوع جدل بين التيارات العلمية المختلة، فهي معروفة جداً منذ القدم وتحديداً في الكتب الدينية والفلسفات والعلوم القديمة.
هذه الطبقات الخمسة تظهر مراحل التكوين كما تقرها الاكتشافات العلمية، هي واردة في الكتب الدينية؛ في المسيحية والإسلام وأيضاً في الديانات القديمة وفي الفلسفات والقصص الشعبية. قبل أن ندخل في المقارنة علينا أن نعرف أن المفاهيم البشرية تختلف مع اختلاف الزمان والمكان. في العصور القديمة لم يكن هناك المقاربات العلمية الموضوعية، بل كانت الحياة تعتمد على تتطور الوعي والإدراك، فكانت غالبية الناس يتعاملون ويتفاهمون بالأمثال والروايات التشبيهية، ولو كان من سيتكلم معهم بلغة العلم لما كان يجد من يفهمه. ولذلك جاء كلام العلماء عن الحقيقية الكونية، في تلك الأزمنة، بالأمثلة ويتطلب ذلك سرد الروايات والأساطير التي تكون في بعض الأحيان غير واقعية وغير حقيقية، أقله نسبة لعصرنا هذا. في دراسات لطريقة التفكير في الحضارات القديمة التي لا تعتمد على المقاربات الموضوعية، كان الهدف الحقيقي هو جعل الفرد يصل إلى المغذى مما يقال له، كي يستنتج ماذا عليه أن يفعل، هذا ما نسميه المقاربة الذاتية للمعرفة، وفي هذه الطريقة تكون المعلومات التي تقال أقل أهمية من المغذى الذي ينتج عنها، المهم أن يستطيع القائل أن يوصل السامع إلى المغذى المطلوب من كلامه، كي يستطيع السامع أن يصل إلى الاستنتاج الصحيح.
في رواية الخلق ماذا تقول النبوءات والروايات الدينية. في سفر التكوين في التوراة وفي سورة الخلق في القرآن الكريم، كان آدم في فردوس الله، وبينما كان نائماً خلق الله له أنثت، من ضلعه. لماذا ورد في الرواية أن حواء هي من ضلع آدم، لماذا هي من آدم، وما هو المغذى من هذه الرواية في حين نحن لا نرى ولا نسمع عن أي رواية تقول أن هناك امرأة خلقت من ضلع رجل. هذه العلاقة بين آدم وحواء وهما في الفردوس هي مهمة جداً. فلنعيد الرواية، نفخ الله في التراب وخلق الله آدم، آدم هو التراب، قبل أن ينفخ الله في التراب كان التراب تراباً أي شيء ميت جامد لا حياة فيه، أما عندما نفخ الله في التراب أصبح التراب إنساناً، إنه آدم، إذا اعتبرنا أن الله هو طاقة الوعي، نعيد العبارة بالقول عندما كان التراب هامداً كان تراباً، وعندما تغلغل الوعي في التراب أصبح التراب واعياً، أصبح إنساناً. ومن ثم وعندما كان هذا الإنسان وحيداً غير متفاعل، وفي حالة الهمود، انبثقت منه حواء، تقول الرواية أنه بينما كان آدم نائماً أخذ الله ضلعاً من ضلوعه وأوجد منه حواء، وهنا نرى بهذا القول أن وجود آدم هو الركيزة لوجود حواء. وهنا علينا أن ننتبه لهذا القانون في الطبيعة أن التالي يرتكز دوماً على السابق. وفي تلك المرحلة كانا لا يزالان في الفردوس. فلنشرح هذه العناصر الثلاث أولاً، الفردوس هو الحقل غير الظاهر، إنه المطلق إنه الحقل الموحد في نظرية الفيزياء.
أما آدم فهو انعكاس للطاقة الكونية، بل هو الطاقة الكونية في الحقل الموحد، أنه يمثل حالة الديمومة، ديمومة الطاقة، وهو مسبب للتفاعل ولكنه لا يتفاعل، أما حواء التي أتت منه والتي هي جزء منه، هي حقل الجاذبية في الاكتشافات العلمية، لا يمكن للجاذبية أن توجد لولا وجود طاقة الحقل الموحد، وحقل الجاذبية هذا يبدأ من الحقل الموحد، تماماً كما أتت حواء من ضلع آدم، ومن ثم على هذا المستوى تتهيأ عناصر المسرحية الكونية. بوجود حقل الجاذبية يوجد الزمان والمكان وتبدأ الرواية الكونية.
وتتابع الرواية بأن حواء أغرت آدم كي يأكل من شجرة المعرفة بالرغم من أن الله كان قد أوصاهما أن لا يأكلا من هذه الشجرة. ولكن بهذا العمل هناك عنصر آخر يدخل في الرواية وهي الحية، الحية هي العنصر الدافع، هذا الاندفاع قد أتى نتيجة لاعتقاد الحية أنه عندما يأكل آدم من شجرة المعرفة سوف يصبح عليماً بكل شيء ويصبح بمقام الله. ولكن هذا الاعتقاد لم يكن صحيحاً. لقد أخطأت الحية عندما اعتقدت ذلك، إن تفاعل الحيّة كان قوياً جداً بحيث دفع حواء لإغراء آدم كي يأكل التفاحة، بالرغم من أن الله قد أوصاهما بعدم القيام بذلك. الحيّة هي التي فكّرت الفكرة الأولى منذ البدء، وحواء تأثرت بالفكرة وتفاعل مع آدم. إن آدم هنا يظهر كالأرضية التي تتنابض عليها حواء. وهنا نرى بوضوح التفاعل القوي للحية في رواية الخلق الواردة في الديانات الحديثة. فبالرغم من وصية الله لعدم الأكل من الشجرة المحرمة، كانت الحية قوية جداً لتجعلهما يعصيان وصية الله. هذه التفاعل القوي هو ليس سوى التعبير عن حقل التفاعل القوي كما تشرحها علوم الفيزياء. وخطأ الحية في اعتقادها أن آدم سيصبح كلي المعرفة في مقام الله، يظهر جلياً في علوم الفيزياء بما يعرف في انكسار التناظر، break in symmetry، بناء لنظريات الفيزياء إن انكسار التناظر للطاقة الكونية جعل هذه الطاقة تدور خارج إطار محورها وبالتالي تتوسع بشكل حلزوني كما نرى صور المجرات. لو لم يكن هناك انكسار لهذا التناظر، كما تقول علوم الفيزياء، لبقية الطاقة تدور على محورها، ولما كان الوجود قد ظهر. وهكذا تماماً لو لم تفكر الحية وتخطئ، لما كان آدم أكل التفاحة ولما كان نزل من الفردوس، ولما كان وُجد هذا الكون كله.
وهكذا نكون قد شرحنا في هذه المقالة عن ثلاثة عناصر من المستويات الخمسة، وسنتابع في المقالة التالية.

التقارب والتشابه بين العلم والدين
الثلاثية في العلم
في الاكتشافات العلمية توصل العلم إلى كشف المصدر الواحد للوجود، وقد أطلق عليه اسم الحقل الموحد، ومع هذا الاكتشاف، وضعت النظريات للتسلسل المتتابع لانكشاف الكون، تقر النظريات العلمية أن الطاقة الكونية هي طاقة هائلة غير الثلاثيةظاهرة، وعندما تكون هذه الطاقة غير ظاهرة، فيمكنها أن تظهر بأي شكل كان، من هنا أتت "نظرية كل شي" Theory of everything وهذه النظرية هي مرادفة لنظرية الحقل الموحد، الذي هو حقل كل الإمكانيات. هذه الطاقة الكونية غير الظاهرة هي مصدر لكل الظواهر، فهي مصدر الخلق والذكاء والمادة، Creativity, intelligence, matter الطاقة تؤدي إلى الخلق، والذكاء ينظم عملية الخلق والمادة هي المنتج لهذه العملية. وهكذا نرى كيف أن الطاقة الكونية الهامدة قد تفاعلت، وبتفاعلها تظهر بثلاثة أوجه، وهي الخلق والنظام والمادة الفانية. إن هذه الثلاثية الكونية المكتشفة في العلوم الحديثة هي موجودة في الديانات أجمع.
الثلاثية في الدين
في الديانة المسيحية هناك ما يعرف بالثالوث الأقدس، وهذه الثالوث يمثل الله الواحد، وهذا الثالوث يتكون من الأب الخالق، والابن المعلم الذي يرشد البشرية لإتباع النظام الإلهي، والروح القدس هو الرب المحي، الذي يعطي الحياة للإنسان المادي المتكون من التراب، ويلهمه للسير في الطريق المستقيم. وفي نهاية المطاف يرافق الروح إلى جنة الله.

في الإسلام نحن نقرأ بوضوح أن الله هو الخالق، فهو خالق كل شيء، وعلى كل شيء وكيل، والوكيل هو الذي ينظم حياة كل ما خلق، والله هو الذي يميت الكائنات لتعود الروح إليه. وفي تفسيرات صوفية، يعطون الله ثلاثة صفات هي الذات والفعل والصفة. الذات للخلق والفعل لوضع النظام والصفة هي انعكاس صورة الله في خليقته، فالخليقة الظاهرة هي المادة التي تعكس صورة الله.

في الديانات الشرقية القديمة مثل الهندوسية والبوذية وغيرها، فيها جميعها نظرية الثالوث، يقولون أن برهمان له ثلاثة صفات وهي: برهما وهو الخالق، وفشنو وهو المحافظ على الخليقة فينظمها للحفاظ عليها من الهلاك، وشيفا وهو المفني، الذي يفني المادة التالفة ويعيد الروح إلى برهمان المطلق.

أما إذا رجعنا إلى ديانات الحضارات القديمة مثل حضارة الفراعنة وحضارة المايا نجد بوضوح نظرية الصفات الثلاثة للطاقة الإلهية الواحدة. هذا ما يؤكد أن الحقيقة هي واحدة، ولا يمكن أن تكون سوى كذلك، عندما نعلم بشكل علمي يعتمد على صيغ حسابية معقدة وصارمة، أن مصدر الكون هو واحد، نكون قد وصلنا إلى الإثبات الملموس لحقيقة الله. ومع هذه المقارنة يظهر جلياً التوافق بين العلم والدين، وليس ذلك فحسب، بل يظهر أيضاً التقارب الكبير بين الديانات المختلفة القديمة والحديثة.
تكشّف الوجود
إضافة لإظهار الوظائف الثلاثة للحقل الموحد في الخلق والذكاء والمادة وتطابق هذه الوظائف مع الوظائف الإلهية كما هي واردة في جميع الديانات. هناك اكتشاف آخر يظهر التكشف المتتالي لعملية الظهور. في علوم فيزياء الكم، أظهرت الاكتشافات أن حقل الجاذبية هو أول ما ظهر في الكون، قبل ظهور حقل الجاذبية كانت الطاقة الكونية في حالة الهمود، وكأنها نائمة، ومن ثم ونتيجة لتفاعلها ظهر حقل الجاذبية، ونتيجة لقوة التجاذب، وتفاعله بالمطلق، كانت النبضة الأولى، فظهر التوتر وبدأ يتسارع في التوتر لدرجة بدأت تظهر البروتونات، يدعى هذه التوتر السريع "الكوارك"، الذي يظهر من الحقل الموحد غير الظاهر.

تجتمع الكواركات معا لتشكل جسيمات مركبة تسمى هادرونات، الأكثر استقراراً التي هي البروتونات والنيوترونات، وهي مكونات نواة الذرة. لا يمكن أن تظهر الكواركات بشكل مفرد حر فهي دائما محتجزة ضمن هادرونات ثنائية (ميزونات) أو ثلاثية (باريونات) مثل البروتونات والنيوترونات، وتسمى هذه الظاهرة بالحبس اللوني (بالإنجليزية Color confinement‏)، لهذا السبب إن معظم المعلومات عن الكواركات تم استخلاصها من ملاحظات الهادرونات نفسها. يتفاعل الكوارك ويظهر حقل التفاعل القوي عندما تتكون نواة الذرة، وبالتالي بدأ تواجد الذرة التي هي أساس المادة. وعلى هذا المستوى من التفاعل من الضروري جداً أن نذكر أن انكسار التناظر يبدأ هنا. الحقل الموحد هو حقل التناظر التام، ولكن في عملية ظهور الكون، يختل هذا التناظر مسبباً ومهيئاً لظهور المادة.

مع بدء تكون الذرة نتيجة تتفاعل الالكترونات والبروتونات ظهرت الإشعاعات في كل اتجاه، ومع هذه الإشعاعات التي ليس لها تأثيرات قوية، فهي تؤدي إلى ما يسمى في الفيزياء "تغيير النكهة" أطلق على هذا الحقل اسم حقل التفاعل الضعيف.

ومع التفاعل الضعيف والذي ينتج عن إشعاعات المكونات الأولى للوجود على بعضها البعض، ومع القوة التنظيمية الدافعة للتطور تبدأ عناصر المواد في التفاعل، ويعرف هذا التفاعل بالحقل الكهرومغناطيسي وهو المسؤول عن كل الظواهر التي نصادفها في الحياة اليومية، باستثناء الجاذبية. تأخذ المادة العادية شكلها نتيجة لقوة الجزيئات بين الجزيئات الفردية في المادة. القوة الكهرومغناطيسية هي أيضا القوة التي تجمع الالكترونات والبروتونات معا داخل الذرات، التي تشكل أساس بناء الجزيئات. هذا يسبب التفاعل الكيميائي الذي ينشأ عن التفاعلات بين إلكترونات التي تدور في الذرات. وبعد قوة الكهرومغناطيسية تأتي المادة الظاهرة على مختلف الأشكال والألوان. وفي الخلاصة يرتكز الكون على أساسات خمسة:
• الطاقة الكونية غير الظاهرة – الحقل الموحد
• طاقة الجاذبية وهي طرفها غير ظاهر وطرفها الآخر يظهر في الوجود
• التفاعل القوي الذي يسبب أول ظهور للمادة
• التفاعل الضعيف الذي يميّز الموجودات عن بعضها البعض
• التفاعل الكهرومغناطيسي الذي يدفع الموجودات إلى البقاء
في المقالة المقبلة سنتحدث عن الترابط الرائع لهذه المستويات مع المفاهيم الدينية.